تابعوا ڤوغ العربية

صُنع في تونس: نجمة غلاف عدد يناير 2023 من ڤوغ العربية أنس جابر كنز وطني وعربي

الصورة بعدسة Sam Rawadi

بينما يجوب المرء بسيارته شوارع تونس، من المُحال ألّا يعترضه وجه أنس جابر الذي يطلّ على قائدي السيارات من اللوحات الإعلانية العملاقة، والتي تصفها بكل فخر بأنها “صنعت في تونس”. وهذا الفخر في واقع الأمر يضرب بجذوره عميقًا؛ فقد أصبحت نجمةُ التنس كنزًا وطنيًا، ورمزًا للنجاح الرياضي ليس فقط للدولة الشمال أفريقية، بل وللعالم العربي بأسره. وبعد موسم رائع أصبحت فيه أول عربية تصل للنهائي الفردي في بطولة “غراند سلام”، وضعت أنس نصب عينيها هدفًا أعلى في 2023.

نحن الآن في مطلع ديسمبر، وأنس تمارس تدريباتها. وفترة التوقف بعد انتهاء موسم التنس قصيرة، وخلال استراحتها الوجيزة تمكنت من اقتناص بعض الوقت لتنعم فيه بالاسترخاء الذي تضمّن مشاهدة مباريات تونس في كأس العالم بقطر. ولكنها بدأت الآن تمرينات اللياقة البدنية بكل جديّة، حيث ستشارك الأسبوع المقبل في بطولة مبادلة العالمية للتنس في أبوظبي، وهي بطولة استعراضية تمنح وقتًا ثمينًا بالمشاركة في المباريات قبل انطلاق الموسم الجديد. وبعد بضعة أسابيع، ستتجه كل الأنظار مرة أخرى إلى أنس يوم 16 يناير، حيث ستشارك في “أستراليا المفتوحة”، وهي البطولة الافتتاحية من بطولات “غراند سلام” هذا العام في ملبورن، وإحدى بطولات التنس الأربع “الكبرى” لصفوة اللاعبين. ولا شك أن مثل هذه المناسبات إما تصنع المسيرات المهنية أو تحطمها بالكليّة.

وستكون أنس من بين المرشحين الأوفر حظًا بعد أن أمضت عامًا هو الأفضل على الإطلاق على مدار مسيرتها المهنية؛ ففي 2022 الذي دخلت فيه التاريخ، فازت بأولى بطولات رابطة محترفات التنس WTA 1000 في بطولة مدريد المفتوحة، قبل أن تقترب بكل لهفة وأسى من تحقيق حلم طفولتها بالفوز ببطولة ويمبلدون. وبعد شهرين، وصلت إلى نهائي بطولة أمريكا المفتوحة حيث خسرت أمام المصنّفة الأولى عالميًا إيغا شفيونتيك في نيويورك. وفي حوارها مع ڤوغ العربية، تقول أنس عن هاتين الخسارتين: “كان نهائي ويمبلدون هو الأسوأ من بينهما لأني أحب هذه البطولة بشدة”، وتردف: “لقد شعرتُ بالحزن بعد ذلك، ولكني موقنة بأني فعلت كل ما في وسعي للفوز بهذا النهائي. أنا لستُ ممن يكتمون مشاعرهم داخلهم؛ فبكيتُ قليلاً، وساعدني ذلك في التنفيس عن مشاعري. نعم، لم أفز، ولكن عليّ فقط أن أمضي قدمًا. أحاول دائمًا أن أكون شخصًا إيجابيًا. لم يكن مقدّرًا أن يحدث الأمر في ذلك اليوم، أو في بطولة أمريكا المفتوحة، ولكني أشعر أن وقت فوزي سيأتي قريبًا جدًا. ما زلتُ فخورة وممتنة للغاية لأنني أمضيت الموسم على هذا النحو”.

ولدت أنس في مدينة المنستير التونسية، ولم تكن تتجاوز الثالثة من عمرها عندما أهدتها والدتها مضربًا وكرة. كانت هذه بداية علاقتها المميّزة مع الرياضة التي استمرت لمدة 25 عامًا. تقول: “كانت أمي تحب التنس. ولأني كنت أصغر الأبناء، كانت تصطحبني معها إلى نادي التنس”، وتضيف: “كان لدي طاقة كبيرة، وكان النادي هو المكان المثالي بالنسبة لي. التنس هو عالمي؛ فملعب التنس هو المكان الذي أشعر فيه بالحرية. وأنا محظوظة جدًا لوجوده في حياتي. ومن الرائع أن يفعل المرء ما يحب، وأنا أحب التنس حقًا”.

الصورة بعدسة Sam Rawadi

لم تكن رحلة أنس نحو قمة مجدها الرياضي سهلةً، فبينما اقتحم بعض اللاعبين المشهد قبل أن يخفت نجمهم، حظيت اللاعبةُ البالغة من العمر 28 عامًا بمسيرة شهدت صعودها بشكل متواصل. تقول: “لكل شخص مسار مختلف، وكل شخص يأخذ وقته”، وتردف: “قد ينطلق بسرعة فائقة ويحرز فوزًا ضخمًا، ولكني أخذتُ وقتي حتى أفهم الرحلة. بالتأكيد، سارت الأمور معي ببطء، ولكن بعد ذلك كان عام 2022 هو الأفضل في حياتي”.

هذا وسيُعرَض “عام المعجزات” لأنس في برنامج جديد على نتفليكس بعنوان “بريك بوينت”، وهو عبارة عن وثائقي واقعي يبدأ عرضه لأول مرة هذا الشهر. وسيوثق البرنامج، الذي يقدمه فريق عمل F1: Drive To Survive، فترات الصعود والهبوط لموسم التنس في 2022 خلال جولات التنس للرجال والسيدات. تقول: “لم يكن لدينا هذا من قبل، الكاميرات التي تتبعنا في كل مكان، وأشعرُ بالتأكيد أن الجميع سيرون لاعبي التنس من زاوية مختلفة، تمامًا كما لو كانوا معنا في غرف تبديل الملابس استعدادًا للمباريات”. وتردف: “سترون كل النضالات، وما يمر به اللاعبون”. يُذكَر أن عدسات الكاميرا كانت قد تبعت أنس في تونس بعد نهائي ويمبلدون ورصدت استقبالها استقبال الأبطال مباشرةً. وهي تأمل أن يرى المشاهدون جانبًا جديدًا من حياة لاعبي التنس، الذين غالبًا ما تختلف شخصياتهم داخل الملعب تمامًا عن خارجه. تقول: “في الملعب أشعرُ وكأن هناك شياطين بالداخل يخرجون كل المشاعر بكل غضب. وأعتقد أنه سيكون من المثير للاهتمام أن يكتشف الناس جانبًا مختلفًا من شخصيات اللاعبين – بمن فيهم أنا. أنا حقًا لا أطيق الانتظار لمشاركة هذا لأنني بصراحة لست ماهرة بما يكفي في استخدام إنستغرام وجميع وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك فهذه فرصة رائعة للناس للتعرف عليّ”.

ومن المرجح أن تتضمّن تلك المشاهد من وراء الكواليس علاقةَ أنس بزوجها كريم كمون، وهو لاعب محترف سابق في رياضة المبارزة بالسيف ومدرب اللياقة البدنية الحالي لأنس. وهو أمر تعترف بطلة التنس بأن الاتفاق عليه استغرق بعض الوقت. تقول: “عندما بدأنا العمل معًا، كان الأمر مضحكًا لأنه كان يطلب مني الركض وكنتُ أقول له ’لا تقل لي ماذا أفعل‘. كنا نتجادل كثيرًا، ولكن ما أن بدأ كل منا يفهم الآخر، تحسّن الوضع كثيرًا، وأرى أنني تحسنتُ كثيرًا من الناحية البدنية. وتؤكد نجمة التنس على أهمية الفصل بين الحياة المهنية والحياة الشخصية. توضح: “في الملعب أراه مدربي، أما خارج الملعب فهو زوجي. لا زال علينا أن نحرص على قضاء بعض الوقت معًا كزوجين”.

وثمة قصة أخرى ستعرضها نتفليكس بالتأكيد، ألا وهي اعتزال بطليّ التنس سيرينا ويليامز وروجر فيدرير اللذين أنهيا مسيرتيهما عام 2022. وتشعر أنس أن لعبة التنس ستكون أضعف بغيابهما، فهما اثنان من أعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة على الإطلاق. وعن ذلك تقول: “إنها خسارة فادحة لرياضتنا، وآمل ألا يختفيا تمامًا عن عالم التنس”، وتضيف: “روجر رائع حقًا وإنسان شديد التواضع، وسيرينا هي سيرينا. لقد فعلتْ الكثير من أجل رياضتنا، وغيّرت الكثير في تنس السيدات والرياضات النسائية بصفة عامة. لقد منحتنا الفرصة للحصول على المزيد، وأن نتساوى أكثر مع الرجال. ولولاها لما حصلنا على هذه الدفعة القوية، وكان الأمر سيحتاج منّا وقتًا أطول بالتأكيد”.

ومنذ عام 2007، تقدم بطولات “غراند سلام” للرجال والنساء نفس الجوائز المالية، وكانت ويمبلدون آخر بطولة تطبق هذا التغيير. ولم يكن من المستغرب أن تكون ويليامز، المناصرة منذ أمد بعيد لحق النساء في الحصول على نفس المكاسب المالية التي يحصل عليها الرجال، أول امرأة تحصل على نفس الجوائز المالية لنظرائها من الذكور. تقول أنس: “لقد ألهمتني سيرينا أن أكون لاعبة أفضل، وأن أؤمن بنفسي، وأحقق إنجازات عظيمة. إنها ليست لاعبة تنس ناجحة فحسب، بل وسيدة أعمال ناجحة أيضًا وهو أمر من المهم حقًا أن تضعه لاعبات التنس في الاعتبار – أننا لسنا رياضيات فقط، ولكن قد تكون لدينا اهتمامات أخرى”.

وقد سنحت لأنس فرصة اللعب مع سيرينا ويليامز في يوليو الماضي في إحدى البطولات التي أقيمت قبل ويمبلدون بعد أن اختارتها اللاعبة الأمريكية لتكون زميلتها في مباراة زوجية. وتضحك أنس قائلة: “كان هذا جنونيًا في البداية. كنتُ متوترة للغاية، ولكنها جعلتني أشعر براحة شديدة. ومن البديهي أنها كانت القائدة، ولكنها جعلتي أشعر بأن دوري مهم في الملعب، بل وكانت تستمع لنصائحي أيضًا. وأعتقد أنها عندما طلبت مني أن أبدي رأيي منحتني بذلك ثقة كبيرة في نفسي. إنها قائدة عظيمة حقًا”.

ترك رحيل ويليامز فراغًا يجب أن تملؤه لاعبات مثل أنس. وتدرك اللاعبة التونسية أنها في مكانة مميّزة، وأنها قدوة يمكنها التأثير في الناس. وقد تم تخليد اسمها بالفعل على طابع بريدي في وطنها، كما تُوِّجَت مؤخرًا بجائزة “بطلة السلام” هذا العام والتي سبق أن فاز بها لاعبون آخرون كان من بينهم نجم كرة القدم ليونيل ميسي. “أشعر أنها مسؤولية كبيرة، وهو ما يدفعني إلى أن أُحسن عملي وألهم مزيدًا من النساء في وطني. ومن المهم إرسال تلك الرسالة الإيجابية، وخاصةً عندما يمرّ بلدكِ بأوقات عصيبة. ومن المهم جدًا مساعدة الناس بعملكِ، وخاصة باستخدام منصتكِ لإلهام المزيد من البشر والنضال في سبيل القضايا التي تؤمنين بها. إنه شيء جديد بالنسبة لي ولكني أحبه. ومنذ البداية، كنتُ أود دائمًا أن أمنحهم فقط طاقة هائلة. وأحاول دائمًا نشر رسالة تحمل أفكارًا إيجابيًا، وآمل أن تساعد الآخرين”.

تمثّل أنس، إلى جانب المنتخب المغربي الذي بلغ مؤخرًا نصف نهائي كأس العالم، موضوعًا جديدًا مثيرًا للفخر في الرياضة العربية. ولا تحظى بدعم من تونس فحسب، بل ومن شتى أنحاء العالم العربي. وتبتسم قائلةً: “يجب أن نتّحد معًا. وأعتقد أنه من المهم جدًا أن يبيّن العرب بعضهم لبعض أننا قادرون على النجاح. ويعجبني دخول المغرب التاريخ – أشعر بالفخر لا المنافسة”. وتعمل أنس على إقناع لاعبي التنس العرب الطامحين بإمكانية صنع مسيرة مهنية في الرياضة، وتشعر بالتفاؤل لأن اللاعبين المتطلّعين للاحتراف الآن لن يواجهوا سوى بعض العقبات. وكان إيجاد راعٍ لها من العقبات الرئيسية التي واجهتها، وما تزال اللاعبة البالغة العمر 28 عامًا مقتنعةً بأن العلامات رفضتها بسبب خلفيتها. “كان أمرًا صعبًا للغاية. لم يكن الرعاة يريدون منحي الفرصة لأني من شمال إفريقيا. لا أعلم شيئًا عن التسويق، ولكن بوسعي قول إنهم لا يتحمسون لنا وبصراحة؛ هذا عار. يجب رعاية اللاعبين من أجل اللعبة وليس من أجل وجوههم أو من أين أتوا. أشعر بأنني لو كنت من جنسية مختلفة لكان لدي على الأرجح مزيد من الرعاة. أتمنى أن يتغيّر ذلك. أتحدث الآن إلى الشركات وهم يهتمون نوعًا ما لأنني أنجح. ولكني أعرف قيمي ومبادئي؛ وأؤمن بأنك لو بقيت معي عند الهزيمة ستظل دائمًا معي في فريقي”.

ويستعد الفريق لعام 2023 الذي ربما يكون استثنائيًا، إذ تتزايد التوقعات في مختلف أنحاء المنطقة بأن تصبح أنس أول بطلة عربية في بطولات “غراند سلام” الكبرى. وحتى ذلك الحين، ما زال لديها الكثير لتحتفل به. تؤكد: “أعلم أن مزيدًا من الأطفال في تونس يؤمنون الآن بأنه يمكنهم خوض مسيرة احترافية في عالم التنس. وفي الماضي، لم تكن لدينا صورة واضحة لما قد يبدو عليه هذا الأمر. والآن لدينا أمل في الجيل الجديد. ومجرد رؤية مزيد من الناس في تونس يلعبون التنس من أجل المتعة يعد بمثابة انتصارات عظيمة”.

مدير قسم الأزياء Amine Jreissati

تصفيف الشعر Denny Clements

المكياج Ivanna Bou Salameh

المنتج Sam Allison

الفيديو George Tsikos

مساعدة تنسيق الأزياء Kate Dixon

معدات الاستوديو Lighthouse Studio

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع