تابعوا ڤوغ العربية

رمضان زمان! بين الحنين والذاكرة

كنت أنضم لأفراد الأسرة في طفولتي في ليالي رمضان لنشاهد الفوازير على القناة المصرية التي كان من الصعب أن يلتقطها كل بيت! نتجمع لنشاهد استعراض شريهان، نعد فساتينها، نتحدث عنها بانبهار، نعجب بقصاتها وألوانها، نتساءل عن مصمميها ونتناقل أخبار كواليس التصوير! وقد تعاملت في إحدى السنوات مع فؤاد سركيس المصمم اللبناني الشهير، الذي أبهر جمهور الفوازير بإبداعه في تصميم فساتين أشهرها فستان الثريا!

نشر هذا المقال للمرّة الأولى في عدد شهر مايو من ڤوغ العربيّة

Getty

نعم فوازير شريهان في الثمانينيات كانت مالئة الدنيا وشاغلة الناس! تتر البداية وتتر النهاية للفوازير كانا بقلاوة الشهر الفضيل. نشاهد الحلقات في ساعة البث وساعة الإعادة ونتسابق في حفظ الأغنية وترداد اللازمة:

“تلاتين مثل واضحين جداً، عارفينها أبّاً عن جدّ!”

“قالك إيه، إيه إيه، قالك آه، آه آه، قالك حللاً، حللاً حللاً! شفنا، مثلاً!”

لم تقدم شريهان مجرد برنامج تلفزيوني بل قدّمت استعراضاً كاملاً غاية في الإبهار. غنت ورقصت ومثلت وأبدعت بحرفية وخفة دم، أسرت قلوب المشاهدين في العالم العربي وظلت فوازيرها تباع للشاشات العربية طوال سنوات تلت.

لم يكن الإبهار سهلاً في زمن الإمكانات المحدودة، لكن المخرج فهمي عبد الحميد والشاعر صلاح جاهين وغيره من الكتّاب على مر السنوات، وفريق العمل جعلوا الفوازير المحطة الرمضانية الأساسية لسنوات طويلة، حتى بعد وفاة المخرج فهمي عبد الحميد (أثناء تصوير فوازير نيللي عام 1990).

رغم أن شريهان ظاهرة استعراضية لا تتكرر، إلا أنها لم تكن نجمة الفوازير الوحيدة، بل سبقتها إليها النجمة نيللي منذ العام 1974. وقد رفعت نيللي سقف المنافسة عالياً بجودة استعراضاتها وحرفيتها. إلا أن المخرج فهمي عبد الحميد قرّر تقديم فكرة جديدة في الفوازير فصنع شخصية “فطوطة” مع نجم الكوميديا الشهير سمير غانم، ومن حضره يذكر: “فطوطة مخرج أنتيكا، متعلم سينما ف أمريكا”. وكان سمير غانم يؤدي دوره ودور فطوطة بحجمه الصغير وبذلته الكبيرة وصوته الغريب. شخصية فطوطة نالت شهرة واسعة وأبقت الفوازير زينة الشهر الفضيل!

إلى أن عاد المخرج إلى الاستعراض بعد ثلاث سنوات في العام 1985، من خلال نجمة لم ولن تتكرر، هي شريهان.

بعد تعرض شريهان لحادثها المأساوي واختفائها، عادة دفّة القيادة لنيللي التي لم تقل إبهاراً.
لكن كل من قدم الفوازير بعد هؤلاء الثلاثة، مر مرور الكرام.

كان الجمهور المصري يتابع ويشارك في حل الفزورة ويتوقع الفوز في نهاية الشهر!

وإذا كانت الفوازير بقلاوة الشهر الفضيل، فإن الطبق الرئيسي يبقى المسلسل المنتظر. ندرة الأعمال المقدمة رفعت من قيمتها الإنتاجية والجماهيرية. فلم يكن تعلق الجمهور العربي بـ”ليالي الحلمية” آنياً، ولا تعلقهم بـ”رأفت الهجان” سطحياً. بدأ عرض ليالي الحلمية في العام 1987، والمشاهدون لغاية أيامنا هذه تسعدهم متابعة أحداث حياة سليم البدري وسليمان غانم ونازك السلحدار والشخصيات التي تدور في فلكهم والأحداث التي تشكل حياتهم. ست أجزاء من ليالي الحلمية عرضت وما زالت شارته من أجمل شارات المسلسلات على الإطلاق:

ولفين ياخدنا الأنين
لليالي مالهاش عينين
ولفين ياخدنا الحنين
لواحة الحيرانين…

صلاح السعدني، ويحيى الفخراني، وصفية العمري، وممدوح عبد العليم، وهشام سليم، ودلال عبد العزيز وغيرهم أسروا قلوب المشاهدين الذين لم يتوانوا عن إعادة مشاهدة المسلسل متى أتيحت الفرصة.

صفية العمري ما زالت حتى اليوم تشاهد حلقات ليالي الحلمية على قنوات مختلفة! شخصية نازك السلحدار التي لعبتها في المسلسل ظلت عالقة في أذهان جمهور الماضي والحاضر وستظل للمستقبل. إنه دور بالنسبة لها من أصعب ما قدمت في حياتها العملية. تروي صفية عن كواليس التصوير أنها كانت دائمة الاعتكاف في غرفتها قبل تصوير المشاهد وبعده لحفظ دورها جيداً خلال الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. تروي أنه لم يكن أحد يتجرأ على إزعاجها، ولم تكن ترد إلا إذا نوديت بـ”نازك”! شخصية نازك السلحدار كانت مبهرة في أزيائها وإكسسواراتها وقبعاتها. نازك كانت امرأة غنية قوية الشخصية مسيطرة على من حولها. طوال أجزاء خمسة كانت نازك الشابة، والمتزوجة، والمتسلطة، والمريضة، والعاجزة، والمصابة بالخرف، والعجوز… صفية العمري مثلت كل ما قد يتاح لمحترفة مثلها من خلال هذا الدور وصار صعباً بالنسبة إليها الاختيار من بعده. عاشت شخصية نازك بعشق وشغف وصرفت على أزيائها من جيبها الخاص.

ترى هل من مسلسل من إنتاجات القرن الحادي والعشرين قد سبب انقلاباً في الدراما التلفزيونية مثل ليالي الحلمية أو ترك بصمة تقارن برأفت الهجان؟

رأفت الهجان صنع لمحمود عبد العزيز نجومية لا تأفل! شاركه البطولة يسرا ويوسف شعبان ضمن غيرهم في ملحمة وطنية رافقت الجاسوس المصري في إسرائيل “رفعت علي سليمان الجمال”. عرض الجزء الأول منه عام 1988. كان المشاهدون يتابعونه بشغف.

يسرا قامت ببطولة أجزاء ثلاثة منه. أدت دور هيلين ريشتر زوجة ديڤيد شارل سمحون. المرأة الأخيرة في حياته بعد علا رامي، وسلوى خطاب، وسماح أنور، وإيمان الطوخي.
§١
رغم شهرة يسرا إلا أن هذا المسلسل قد أعطاها دون شك انتشاراً أكبر ونجومية أوسع.

زوجة رأفت الهجان الحقيقية قالت في مقابلة تلفزيونية لاحقاً إن يسرا جسدت شخصيتها بأداء رائع وإنها كانت خائفة في البداية ألا تتجسد شخصيتها بشكل صحيح. جمال يسرا الأوروبي سهل عليها أداء دور المرأة الألمانية وكذلك إتقانها للغات.

كانت الشاشة واحدة ولم تكن الشاشات بالمئات، كان المنتج واحداً ولم يرض أن يستخف بعقول المشاهدين وقدم لهم أعمالاً ذات مستوى عريق. موت الهجان كان أليماً لكل متابعيه كما كان موت عبد العزيز محزناً لكل محبيه في العام 2016.

قد يظن البعض أن عدم وجود المنافسة الشرسة سمح لتلك المسلسلات بالتربع على عرش الدراما الرمضانية لسنوات، لكنها لو لم تستحق الريادة، لنساها المشاهدون ولم تبق عالقة في وجدانهم.

الفوازير التي قدّمتها كل من نيللي وشريهان كانت باهظة التكلفة، ورغم الأجر العالي وكرم الإنتاج إلا أن الأخبار كانت تؤكّد أن شريهان كانت تبذخ على فساتين الفوازير بشكل يضمن الإبهار وكانت تصرف من جيبها الخاص ليبقى العرض بالمستوى الذي يرضيها.

وكما أن كلمات أغنية مقدمة الفوازير ظلت عالقة في أذهان المشاهدين تماماً مثل كلمات أغنية مسلسل “ألف ليلة وليلة” التي أدتّها سميرة سعيد عام 1981:

“احكي يا شهرزاد احكي لشهريار
اشغليله ليله لطلوع النهار
حيري له باله غيري له حاله
خلي عقله دايماً في حالة انبهار..”

كانت هذه الأغنية قدم السعد على سميرة سعيد لأنها أصبحت الأغنية الرمضانية الأكثر تداولاً على مر السنين. وكانت حتماً نقلة نوعية في حياة الديفا الفنية. ولا تزال ومعجبوها يردّدونها ليومنا.

لقد جسدت نجمات من السينما دور شهرزاد مرّات عدة. جسّدته النجمة التي لا تتكرر شريهان كذلك في فوازيرها. لكن المسلسل الذي غنّت كلمات مقدمته سميرة سعيد كان من بطولة نجلاء فتحي وحسين فهمي. كانت نجلاء حينها فتاة الشاشة الطيبة الرومانسية، وكان حسين فهمي فتى الشاشة دون منازع. كان جمعهما في عمل واحد حدثاً بحد ذاته. ورغم أهمية أزياء مسلسل “ألف ليلة وليلة” إلا أنها لم تكن عنصر النجاح فيه طبعاً مع وجود بطليه، لكنها تجسيد جذّاب للحقبة التي استوحيت منها. إنتاج ألف ليلة وليلة تلفزيونياً أو إذاعيا لطالما ارتبط بالشهر الفضيل بفضل حقبة السلاطين والقصور الشرقية. فكان عملاً متكاملاً قبع في ذاكرة المشاهدين لغاية اليوم.

في رمضان زمان، تعلقنا بشخصيات عشنا معها وانتظرناها من عام إلى عام وأعدنا مشاهدتها بمتعة المرة الأولى، كمن يستمع لأغنية يحبها مراراً وتكراراً دون كلل. ليبقى شهر رمضان في أيامنا طبقاً ملوناً بالمسلسلات والبرامج الحوارية وبرامج المسابقات. إنتاجات تصيبنا بالتخمة فيصعب الاختيار ونلجأ للإنترنت لمشاهدة ما فاتنا إن وجدنا الوقت الكافي.

في رمضان اليوم، قد يبرز عمل في كل عام أو ربما أكثر. فبعد أن كانت القيادة للإنتاج المصري، بات الإنتاج السوري أو العربي الجامع أو الخليجي منافساً آخر. فيبرز كل عام مسلسل مصري وآخر سوري وآخر خليجي أو عربي يجمع نجوماً من مختلف العالم العربي، وهذه موجة شجعها نزوح نجوم الدراما السورية هرباً من الحرب. وقد يبرز أكثر من مسلسل وهذا طبيعي في ظل عشرات الأعمال المقدّمة. لكننا ننساه في العام التالي إن لم يقدم جزءاً جديداً يشد المشاهد إليه بحبكة تكون واقعية تضم الحرب والحب، التمرد والسلطة.

لا نستطيع اليوم الحكم على إنتاجات الزمن الحالي. فكما أن أعمالاً انتجت منذ ثلاثين عاماً لا تزال تأسرنا لغاية اليوم، نضع هذا التحدي أمام أبرز إنتاجات الزمن الجديد. أي مسلسل سيبقى في ذاكرة المشاهدين بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟ أي عمل سيعيدون مشاهدته مراراً وتكراراً بالشغف ذاته؟ أي مسلسل سيكررون غناء تتر مقدمته بمتعة؟ أي مسلسل سيتابعون أخبار نجومه باهتمام. أرى احتمالات عديدة لأني أثق بالدراما العربية ولأن لكل جيل نجومه، لكن هناك من هم نجوم الأجيال كافة!.

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع