تابعوا ڤوغ العربية

’’الاستقلالية تعني كل شيء‘‘.. هكذا علّقت الشيخة حور القاسمي على تشكيل تراث الشارقة الثقافي بشجاعة ورؤية مدروسة

في حوارٍ حصري مع ڤوغ العربية، تتحدث الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، المرأة المُجدّة في عملها والتي يعتريها حماس متّقد، عن تشكيل معالم التراث الفني والثقافي لإمارة الشارقة، كما تكشف عن دورها في متابعة مسؤوليات أخيها الراحل، بينما تمضي نحو المستقبل بكل شجاعة

الشيخة حور بنت سلطان القاسمي ترتدي كنزة من مقتنياتها الخاصة؛ وفستاناً وجوارب وحذاءً من آندي واهلو سوبر لوكس؛ وتتزين بقرطين وخواتم من سهيل عبد الله. بعدسة حسن حجّاج لعدد مارس 2020 من ڤوغ العربية

“اتفقنا. هكذا أرجأتْ اجتماعي في الشارقة، وأصبح بإمكاني المكوث ليوم آخر”، بهذه الكلمات تفوّهت الشيخة حور بن سلطان القاسمي بينما كانت تتصفح شاشة هاتفها، مُمَرِّرَةً أظافرها الطويلة المزدانة بطلاء أبيض أنيق. ورغم جدول أعمالها المتخم بالمهام بصورة غير مسبوقة، تتواجد الشيخة الإماراتية الآن في مراكش للمشاركة في جلسة تصويرها لغلاف مجلتنا، بعدما قضت ما يزيد عن شهر في باكستان، حيث تم تعيينها هناك قيّمةً على النسخة الثانية من “بينالي لاهور”. ولهذا المشروع، أخذت رئيسةُ مؤسسة الشارقة للفنون تطوف أرجاء 13 موقعاً لتبثّ حياةً جديدةً في أماكن منها مسرح مهجور وموقع قريب للغاية من ملعب كريكيت تعمّه الفوضى. “لقد أردت المزيد، ولكنهم بدوا وكأنهم يقولون لي: ’مهلاً، على رسلكِ‘”، هكذا قالت الشيخة وهي تضحك، وأضافت: “أعتقد أنني أؤدي أدواري الوظيفية منذ 18 عاماً الآن. ورغم انشغالي الدائم، إلا إنه لشرف كبير لي أن أُدعَى للمشاركة في مثل هذه الأمور”، هكذا قالت بصوتٍ ناعم لا يخلو من نبرة الحزم. وأضافت: “الكل يذهب إلى الهند ولا أحد يذهب لزيارة باكستان، لأنها ’شديدة الخطورة‘ على حد قولهم، بيد أنني أرى أنها لا تنطوي على أية مخاطر. ورغم كوني امرأة، كنت أمشي وحدي بالشارع، وكل شيء كان على خير ما يرام، حتى وإن كان في وقت متأخر من الليل. لاهور مدينة جميلة للغاية، وستقعون حتماً في حبها”.

الشيخة حور بنت سلطان القاسمي ترتدي كنزة من مقتنياتها الخاصة؛ وفستاناً وجوارب وحذاءً من آندي واهلو سوبر لوكس؛ وبنطلوناً من روشاس؛ وتتزين بقرطين وخواتم من سهيل عبد الله. بعدسة حسن حجّاج لعدد مارس 2020 من ڤوغ العربية

لقد شاهدتُ سموها وهي تطوف مدينة مراكش دون أدنى شعور بالقلق وبنفس العزيمة والإصرار، فيما راحت تستكشف بكل فضول متجراً صغيراً لبيع السجّاد والأرائك، ومن بعد كشكاً للإكسسوارات. وعلى الرغم من كونها ابنة صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وهو من أكثر الشخصيات المحبوبة بين شيوخ وحكّام دول مجلس التعاون الخليجي، لم أكن أتوقع أبداً أن تبدو في نظري مثل أميرات الحكايات الخيالية. وفي الواقع، لا تحب الشيخة حور أن يناديها أحدهم بلقب “أميرة”. فهي امرأة عملية تتمتع بروح مرحة فائقة، وتتحدث ثماني لغات، وتحمل أمتعتها بنفسها خلال أسفارها. تقول: “حثّنا والدانا على تعلّم اللغات ورؤية العالم. وكان ذلك دوماً جزءاً أصيلاً مما تربينا عليه. ولم ننشأ مطلقاً كأمراء، فقط تربينا على أن نفعل كل شيء بأنفسنا. حتى عندما كنت بالمدرسة وكان كل مَن هناك يشيرون إليّ قائلين ’إن ابنة فلان تدرس هنا…‘، كنت فقط أجلس وأشيح بناظري عنهم. ولم يكن الناس يعرفون شيئاً عنّا، وما الداعي لذلك من الأساس؟”، هكذا أجابت الشيخة لدى سؤالها عن نشأتها في كنف بيت من عائلة حاكمة. وأضافت: “كانت طفولتنا تتمحور حول الدراسة. وكانت أمي تشجعنا على ذلك. فقد كان يأتي إلينا مدرسون خصوصيون عقب المدرسة وفي أيام العطلات الأسبوعية. كنّا فقط نذاكر ونذاكر. ومن جهتي، أحببت ذلك جداً. فقد فتح ذلك البابَ أمامنا لأن نعي بأن لدينا وظيفة علينا أن نؤدي مهامها والتزاماتها. ومن المهم أن يكون لديك وظيفة، فالاستقلالية تعني كل شيء”.

“من المهم أن يكون لديك وظيفة، فالاستقلالية تعني كل شيء

الشيخة حور ترتدي كنزة من مقتنياتها الخاصة؛ وفستاناً وجوارب من آندي واهلو سوبر لوكس؛ وبنطلوناً من روشاس؛ وتتزين بقرطين وخواتم من سهيل عبد الله. بعدسة حسن حجّاج لعدد مارس 2020 من ڤوغ العربية

وفي حين ترى الشيخة حور أن حياتها كانت ستبدو أسهل مما هي عليه الآن لو كانت تشغل وظيفة واحدة فحسب، إلا أننا عندما ننظر إلى سيرتها الذاتية نجدها زاخرة بالعديد من الأدوار والمناصب المرموقة. فعلاوة على منصبها رئيسةً لمؤسسة الشارقة للفنون، تشغل الشيخة حور أيضاً منصب مديرة بينالي الشارقة، وهو المنصب الذي تلعب من خلاله دوراً محورياً من أجل أن تحتل الشارقة مكانة مرموقة باعتبارها مركزاً للفنون على المستويين الإقليمي والدولي. وهي أيضاً رئيسية معهد أفريقيا بالشارقة، ورئيسة مجلس إدارة مؤسسة ترينالي الشارقة للعمارة التي انطلقت أولى دوراتها في نوفمبر 2019. وبنفس المستوى من التميّز تشغل منصب عضو مجلس إدارة متحف الفن المعاصر “بي إس 1” بنيويورك، ومتحف كونست ڤيركيه للفن المعاصر في برلين بألمانيا، والجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية “أشكال ألوان” في بيروت، والقائمة تطول. ودعونا لا ننسى في هذا المقام مشروعاتها التي تستأثر بجل شغفها، فهي مالكة مطاعم تفتخر بأنها علمت نفسها بنفسها في هذا المجال، فهي تمتلك مطعميّ “فن” و”أبايومي”. تقول: “كنت دائماً نشيطة الفكر، وأردت تعلم الجديد وتطبيق ذلك عملياً. وأشعر أني أجني ثمار ما أقوم به. أنا منهكة، ولكن الأمر يستحق”. وبسؤالها عن ما إذا كانت تعتبر نفسها مهووسة بالعمل، صمتت لبرهة ثم أجابت والبسمة مرسومة على شفتيها: “بكل تأكيد، فالعمل شيء جيد من وجهة نظري”.

الشيخة حور بنت سلطان القاسمي ترتدي فستاناً من بالنسياغا؛ وتعتمر قبعة من آندي واهلو سوبر لوكس؛ وتتزين بقلادة من جان بول غوتييه. بعدسة حسن حجّاج لعدد مارس 2020 من ڤوغ العربية

ربما تمثل الشيخة حور بنت سلطان القاسمي قيمة ومرجعاً الآن في عالم الفن، إلا أن هذا لم يمنعها من أن تبرهن على موهبتها وإظهارها، شأنها في ذلك شأن أي شخص آخر. فقد أخبرتني كيف اضطرت لأن تعمل بجدّ وتبذل جهداً مضاعفاً من أجل أن تثبت ذاتها وتقصي أي مفهوم يشير من قريب أو بعيد إلى أنها قد حظيت بوظيفتها لمجرد كونها سليلة عائلة حاكمة. وفي حوار سابق لها مع ڤوغ العربية، أشارت الشيخة إلى أنها عندما تولت رئاسة بينالي الشارقة الذي أسسه والدها عام 1993، كانت هذه الفعالية في أمسّ الحاجة للتطوير والتجديد، حيث كانت تقام في مركز للمؤتمرات. وبالفعل، استطاعت بمساعدة فريق عمل صغير أن تعيد تشكيل برنامج الفعاليات بالكامل، وتنتقل به إلى موقع جديد، حتى أنها أخذت تعلق اللوحات الفنية على الجدران وتنظف الأرضيات بنفسها، كل هذا ولم يكن عمرها يتجاوز 22 عاماً. “في إحدى رحلاتي إلى برلين بصحبة والدي، زرنا معرض ’دوكومنتا 11‘ للفن المعاصر. ووجدت مصدر إلهام لي في أسلوب ارتباط الفن المعاصر بعالم الواقع والسياسة والقضايا الاجتماعية”، هكذا أوضحت الشيخة حور التي أضافت: “أردت أن أعرف لماذا لا ينظر البينالي الخاص بنا إلى الأمور على هذا النحو. ولذا، أردت أن أعرف كيف تسير الأمور في الشارقة. وقطعت على نفسي وعداً أمام والدي أني لن أتدخل، ولكني بالطبع اضطررت للتدخل. وتساءلت لماذا نتخذ من مركز معارض تجارية مقراً لنا في حين أن لدينا ساحة للفنون. وكانت رابطة بينالي الشارقة القديمة أشبه بمعرض للفنون، ولكنه ليس معرضاً تجارياً، وإنما رابطة ثقافية غير هادفة للربح. وما أن ترك المنظمون الرابطة، اضطلعت أنا بهذه المهمة”.

الشيخة حور بنت سلطان القاسمي ترتدي فستاناً من بالنسياغا؛ وتعتمر قبعات من آندي واهلو سوبر لوكس؛ وترتدي نظارة شمسية من تعاون آندي واهلو سوبر لوكس مع بوبي ليسيمان؛ وتتزين بخواتم من زهرة رحمن، والخاتم المرصع باللؤلؤ من مقتنياتها الخاصة. بعدسة حسن حجّاج لعدد مارس 2020 من ڤوغ العربية

وتشرف الشيخة حور بنت سلطان القاسمي اليوم على فريق عمل مكون من 200 فرد، كما اكتسب بينالي الشارقة على يديها شهرة واسعة، حتى بات يصنف اليوم ضمن أفضل عشر فعاليات بينالي يشهدها العالم.

وبينما توشك شمس مراكش على الغروب، أخذت ترسل أشعتها الذهبية التي ليس لها مثيل على سطح رياض [منزل] حسن حجّاج. ورغم أن الشيخة قد اختتمت جلسة تصويرها في اليوم السابق، إلا أنها أصرت أن تشرف المكان بزيارتها خلال جلسة تصوير النجمة المصرية يسرا بعدسة المصور المغربي، على أنغام العزف الحي للأغاني المحلية التراثية. وبعدما جلسنا في مكان أكثر هدوءاً، بدأنا نتجاذب أطراف الحديث حول دورها الذي اضطلعت به مؤخراً مديرةً إبداعية لعلامة “القاسمي” للأزياء الرجالية التي تتخذ من لندن مقراً لها، وأسسها شقيقها التوأم الشيخ خالد بن سلطان القاسمي، طيّب الله ثراه، الذي رحل عن عالمنا فجأة في يوليو الماضي. تقول: “إنه أمر قاس للغاية لو تعلم. فهو يثير مشاعري بقوة. ولأكون صريحة، لا أظن أنني فجعت لرحيله. ففي البداية، كان الأمر يتعلق أكثر بالاعتناء بوالديّ وشقيقاتي. لقد كان توأمي، وأنت تعلم مدى الارتباط بين التوائم… أحياناً يعتريني شعور وكأنه لم يرحل، وأراه دوماً في أحلامي”. وتكريماً لحياة أخيها وشغفه في الحياة، حلّت محله في علامة أزيائه، محاوِلة بكل جهدها اتباع خطته الخمسية التي وضعها قبل أن يرحل. “يهمني في المقام الأول أن أعمل على إنجاح هذه الخطة بقدر استطاعتي من أجل أخي الذي رحل عنا. والأمر جداً صعب عليّ، فعلى الرغم من أن الموضة والفن مجالان قريبان من بعضيهما، إلا أن الجانب التجاري جديد عليّ. فقد كان عملي دوماً يقتصر على المؤسسات غير الربحية، والآن، غدا الأمر مختلفاً”.

00:00 / 00:00

وعلاوة على الجانب التجاري، يمكننا أن نستشعر حضور الشيخ خالد في أحدث تصاميم الدار أكثر من أي وقت مضى، احتفاءً بحياته وتراثه. ومن أفضل الأمثلة على ذلك أول مجموعة خرجت للنور تحت إشراف الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، حيث أعادت ترجمة الشمس المشرقة -فمسمى الشارقة يعني “الشمس المشرقة”- في بعض الإطلالات لتصبح شمس الغروب، وتظهر برفقتها عبارة ’ستشرق شمسك من جديد‘. كما قررت الشيخة أيضاً أن تضع عبارتين أخريين وجدتهما مكتوبتين على لوحة الإلهام المعلقة في مكتب شقيقها، تقول إحداهما “لأني قريب” بينما تقول الأخرى “لا نفترق أبداً”. وقد كتبت هاتان العبارتان المعبّرتان والمؤثرتان للغاية على التيشيرتات والكنزات لتذكرنا دوماً بأن ذكرى الشيخ خالد بن سلطان القاسمي ستظل خالدة ولن تغيب عن بال شقيقته التوأم الشيخة حور بنت سلطان القاسمي، وأن شركته في أيدٍ أمينة. تقول: “سيظل مكتب أخي وفريق عمله وعلامته ملكاً له على الدوام”.

نشر للمرة الأولى على صفحات عدد مارس 2020 من ڤوغ العربية.

تصوير حسن حجّاج
تنسيق الأزياء كيتي تروتر، وليزا جارڤيس
المنتجة الإبداعية لورا برايور
الشريك الفني إيبون هيث
المساعد الثاني طارق حجّاج
المنتجة المحلية ماري كورتين
تصفيف الشعر صادق لاردجان
المكياج جو فروست
مساعدتا التصوير حسناء الكوارغا، ومريم ين
مساعدة تنسيق الأزياء ألكساندريا لوفڤر
السُعاة: يزيد بزاز، وعبد العلي بوكريمي، ومحمد عجب
الاستوديو: رياض ييما، مراكش
شكر خاص لفندق منتجع فور سيزونز مراكش

اقرئي أيضاً: 10 دروس للتعلم مستوحاة من الشيخة حور القاسمي

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع