تابعوا ڤوغ العربية

في حضرة القيصر.. كاظم الساهر!

فنان ووطني ورومانسي، كلاسيكي في المظهر وعربي في الجوهر! للأغنية العربية طعم مختلف في حضرته، قيصر الغناء العربي كاظم الساهر ولد ليخلّد اسمه أينما حلّ.

بعيداً عن العراق وتحت سماء إسبانيا الدافئة وفي أحضان طبيعتها الخلابة التي تحبس الأنفاس، استقبلنا قيصر الغناء كاظم الساهر في منزله بحفاوة شديدة، حفاوةً لم تكن أبداً مستغربة، فالفنان عربي الهوية شرقي الطباع، شخصيته معجونةٌ بالكرم وحسن الضيافة والطيبة، صفات لا بدّ أن فنان رومانسي أغدق على جمهوره بأعذب الألحان وأجمل الأغنيات ككاظم الساهر، فكريم المشاعر كريمٌ في كل ما عداها أيضاً.

حرص كاظم الساهر بابتسامته الطيبة أن يُشعرنا أننا في منزلنا رغم صعوبة الظروف الصحية المريبة التي يمر بها العالم أجمع، وتعاون معنا قدر المستطاع حين بدأنا بعرض فكرة جلسة التصوير المبتكرة، فتمكنا من إقناعه بالخروج من حدود البذلة السوداء الكلاسيكية.

ولما كانت جلسة التصوير جديدة من حيث الفكرة ومبتكرة من حيث المفهوم، بدأنا حواراً مع قيصر الغناء علّه ينخرط أكثر في الأجواء ويشعر بالراحة أكثر ليبلي حسناً في هذه الجلسة.

“تربيت في بيئة تعطي الحق حتى لجارك بتوبيخك لو صدر منك تصرفٌ لا أخلاقي. ورثنا الكثير من القيم الجميلة، كالخجل واحترام الذات والآخرين وتقدير الجار،” بهذه الطريقة برر كاظم الخجل الذي يميز رومانسيته وكلاسيكيته التي حصرته ضمن حدود معينة نادراً ما تخطاها، وأردف قائلاً: “أكره الخجل الذي ورثناه لأنّه سلب منّا الكثير من الحقوق لكنّه في الوقت ذاته علمنا الاحترام”.

عاد كاظم الساهر بالحديث إلى بداياته، تذكر الدراجة التي باعها ليشتري غيتاراً، استعاد أول ألحانه؛ لحن قصيدة “أين أنتِ يا حياتي” التي اختارها من إحدى المجلات، ابتسم ابتسامة تفيض حنيناً حين تذكر تعابير أستاذه في معهد الموسيقى حين أطلعه على هذا اللحن، بدا متأثراً حين قال: “كانت قصيدةً صعبة جداً. لا أزال أحفظ الجزء الأوّل والثاني من هذه القصيدة”. في العام 1979، صوّر “ورد العشق” ضمن نشاط مدرسي في الموصل مع الفرقة المركزية التي تولى فيها مهمة العزف على الغيتار والغناء.

مشوار كاظم الساهر لم يكن رائعاً كصوته ولا إنسيابياً كألحانه، فقد عاش مراحل صعبة جداً، طبعت حياته وشخصيته وفنّه، وقد ذكر الفترة التي أمضاها مع المسرح العسكري. إسهابه في الحديث عنها لم تكن إلا دليلاً عن الأثر المهم الذي تركته هذه المرحلة في حياته الفنية، وقد قال: “أثناء فترة التجنيد التقيت بالكثير من الفنانين الرائعين والموسيقيين وأساتذة المسرح العراقي والرسم التشكيلي وكل الفنون الشعبية. كنت محظوظاً بلقاء فنانين كبار”. هذه الفترة، حددت المرحلة التالية من حياته، فما تعلّمه في خلالها شجعته على دخول معهد الدراسات الموسيقية لمدة، وقد وصف تلك الفترة قائلاً: “كانت من المحطات الرائعة فقد صقلت موهبتي أكاديمياً. أعتزّ جداً باليوم الذي التقيت فيه بالأستاذة سلوى شاميليان، كانت أستاذة في معهد الفنون الجميلة وأنا كنت طالباً في دار المعلمين، كنت أغّني في فرقتها وعلّمتنا كيفية التنفس الصحيح وطريقة الغناء الأوبرالي”.

ما اكتسبه في خلال هذه المرحلة لم يحميه من الفشل، فقد عرف الكثير من الإخفاقات وقدّم أعمالاً لم يكن راضياً عنها يتمنى أن يعود به الزمن ليغيرها ويقدمها بصيغة أجمل وأفضل.

بأسى وحزنٍ شديدين يتذكر كاظم أيضاً الظروف الصعبة التي مرّ بها العراق الذي يعيش بعيداً عنه منذ العام 1990، تشعر بالألم يعتصر قلبه وهو يقول: “دمرت هذه الظروف الفنانين العراقيين. لم يكن بمقدور أي فنان عراقي أن يخرج للنور ومُنعت المحطات من استضافته باستثناء المحطات الأردنية. عانينا حصاراً تخطى الوطن ليطال الفنانين والشعب العراقي ككل،” وأضاف: “كان الظرف السياسي مؤذياً جداً، لكنني كنت دائماً مصراً على المضي قدماً مؤمناً بأن “الضربة اللي ما تموتني تقوّيني”. إصرار كاظم يترجمه الوشم الذي يروي ٤٢ يوماً من القصف أمضاها وهو يلحن قصيدة مدرسة الحبّ ويحاول حماية اللحن من الضياع.

شباب كاظم الساهر لم يكن سهلاً على الإطلاق، فالتجارب والصعوبات التي عاشها كثيرة جداً، استفاد هو منها، فصارع ودرس واجتهد وصقل موهبته وطورها إلى أن فرض نفسه على الساحة الفنية بطريقة صحيحة وثابتة حتى عجز أي فنانٍ عربي عن مجاراته أو منافسته. ولا ينكر كاظم أن ما وصل إليه حققه أولاَ بفضل الله الذي منحه هذه الموهبة المميزة، وبفضل أساتذةٍ آمنوا به وأشخاص أحبوه فقدموا له النصائح والأفكار، وإلى كل من علمه اللغة العربية حتى أصبح قادراً على تذوق اللغة العربية وفهم معانيها العميقة، وقد أضاف قائلاً: “ولأمي فضلٌ جبار، هي الداعم الأول لي. كانت تمنع إخوتي من تبديل القناة لأستمع إلى الأغاني والألحان وكانت تساعدني كثيراً”.

جهود مضنية ودعمٌ منقطع النظير مهّد له الطريق ليصبح الرقم الأوّل على صعيد الوطن العربي نظراً لما حققه من نجاحات موسيقية وقد تحدث عن مركزه الفني هذا فقال: “لأصِل إلى هذه النقطة استندت على أساسٍ قوي جداً. لم أتوقف طيلة هذه السنوات عن البحث عن أفكار جديدة ولم أفارق يوماً آلة العود. لطالما لحنت أعمالاً واحتفظت بها إلى أن يحين الوقت المناسب لأطرحها مغناة. لحنت قصيدة “زيديني عشقاً” حين كنت في السادسة عشرة من عمري إلا أنني لم أغنيها إلا حين بلغت السادسة والثلاثين من عمري. بين أعمال نفذتها في سن مبكرة وأعمال جديدة بحثت عن إرضاء الجمهور بتقديم أعمال راقية تنحفر في ذاكرته”. وسعيه إلى الرقي الذي يتحدث عنه حقيقة واقعة وخير دليل عليها هي العمل الغنائي جلجامش الذي عمل على إعداده سنوات طويلة ولم يبصر النور بعد لأنه يأبى إلا أن ينال الإنتاج الكفيل بتقديمه بأرقى صورة.

وإن أراد كاظم الفنان أن يفنّد الأسباب التي جعلت منه رقماً صعباً فهو يقول: “أنا مزيج كاتب وملحنٍ ومطرب، مزيج ساعدني كثيراً وسهّل عليّ عملية الاختيار لتتوافق مع الأفكار التي أريد أن أغنيها وإن صَعب الأمر أعمد إلى التأليف.” وبالفعل ألف الساهر أكثر من 40 أغنية حققت نجاحات كبيرة كـ “سلامتك من الآه” و”لا تتنهد” و”هذا اللون عليك يجنّن”، و”ضمّني على صدرك”. مزيج كاظم الفني يفتقر إلى الممثل، إلا أنه يرفض رفضاً قاطعاً التمثيل معتبراً أنه مشروع بعيد عنه جداً ويفضل عليه الموسيقى والغناء.

والحديث مع كاظم الساهر لا يكتمل إن لم نأتي على ذكر الشاعر الراحل نزار قباني، وقد قال عنه القيصر: “لقائي بالأستاذ نزار قباني يعود إلى العام 1992 وكان محطة عظيمة في حياتي من خلال “إنّي خيرتك فاختاري”. بعد هذا العمل توالت الأعمال الرائعة. هو شخصٌ مميزٌ جداً في حياتي، ما زلت أحتفظ بالرسائل التي أرسلها لي. حققنا معاً نجاحات رائعة لطالما عبر لي عن سعادته بها”. وبالفعل لم تمر يوماً إحدى قصائد نزار التي غناها كاظم الساهر مرور الكرام بل طُبعت في ذاكرة الناس وحجزت لنفسها مكانةً في سجل الخلود.

إلا أن شاعر المرأة لم يحوّل القيصر إلى مطرب المرأة، فكاظم الذي لطالما رددّ أنه ما كان ليترك أمه تدوس الأرض لو كانت على قيد الحياة بعد كل ما قدمته له ولإخوته هم الذين عاشوا ظروف فقرٍ شديد في منزل كان يفتقر إلى أدنى أنواع التجهيزات، وهو يقول: “أقدّم أعمالي لكل الفئات، ولا أخصص النساء بعمل ما. المرأة كيان قوي، وهي عنصر مشرّف في مجتمعاتنا العربية، ولا غنى عنها في قيادة الوطن الذي ظلمناه بانتخاب أشخاص على أساس طائفي لا يتمتعون بحكمة وثقافة مما أوصلنا إلى الدرك الأسفل من التخلف،” وأضاف متمنياً: “عسى أن تنال الشعوب العربية حقوقها ويصبح رأيها حراً!”.

ولكن في قلب صاحب “أنا وليلى”، القصيدة التي أمضى سنوات يبحث عن كاتبها قبل أن يصدرها في العام 1998 والتي نالت جوائز كثيرة وأتت قي المرتبة الثانية بين أفضل 100 أغنية في التاريخ ضمن استفتاء أُجري في العام 2002، في قلبه غصة إذ يقول: “بعد 40 عاماً من العطاء جلت في خلالها العالم حاملاً رسالتي الفنية لأنقلها إلى الناس أجمعين، لي أمنية واحدة هي أن تُدرج الموسيقى التي أؤلّفها في المكتبة الموسيقية وأن لا تكون فقط للسمع. أعتز جداً بأعمالي الفنية التي يتم تدريسها للطلاب في المعاهد”.

الساهر الذي يعيش خارج العراق، يعيش العراق في قلبه وتبدو روحه في تصرفاته وشرقيته والعادات والتقاليد التي لم يتخلى عنها يوماً هو الذي غنّاه في “كلّهم يا سندباد” و”يسعد صباحك” و”بغداد لا تتألّمي” في أصعب الظروف حين كان فنانو العراق يتمنون أن يُسمع صوتهم، يقول كاظم: “حملت العراق في صوتي إلى أقاصي العالم لأنقل أفضل صورة عنه ليفهم الجميع أن وطناً كالعراق لا يستحق الحرب، ولاقى صوته صدى فتلقى العراق الكثير من المساعدات في مناسبات مختلفة”.

وبعيداً عن الفنّ، يجمع كاظم في شخصيته الرجل الشرقي والأب والرياضي والوطني، يصف نفسه قائلاً: ” أنا رومانسي في فني وفي شخصي، أحب الرومانسية بشكل لا يوصف.” يتذكر كاظم دائماً وطنه وأهله والجلسات التي جمعتهم في منزلهم الصغير فيشعر أن الماضي رغم قساوته كان رائعاً ولا يزال حياً فيه لم يغادره يوماً. هذا الحنين إلى الوطن والأسرة جعل منه أباً حنوناً إلى أقصى حدود لا يخلو من الضعف إلا أنه يقول: “أنا ضعيف أمام الحب، تنقلت سعياً وراءه، فنحن كرجال نركض وراء الحبيبات فأينما وجدن نحن نكون ونلحق أولادنا ونعتبر الأرض أرضنا، وعن أولاده قال: “أحب دائماً أن أظهر أنني قوي خاصة أمام أولادي وهذا نابع من حبّي لهم، فهذا الحب الذي وهبه الله للآباء نعمة كبيرة؛ وإلا لما قيل “أولادنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض”.

كاظم، الذي يحلم أن يعيش يوماً في مزرعةٍ خاصة في قرية جميلة، يحرص على الظهور قوياً على الصعيد المعنوي، يحرص كاظم على المحافظة على قوته البدنية فيحرص على تناول الطعام الصحي وعلى ممارسة الرياضة 4 مرات في الأسبوع. ويُكمل القيصر قوته المعنوية والبدنية بأسلوب أزياء بسيطٍ راقٍ بعيد كل البعد عن المبالغة.

مشوار حافل بالألحان والرومانسية والحلم كلّف القيصر الكثير فكاظم الإنسان يعاتب كاظم الفنان، فهذا الفنان حصد حصة الأسد في حياته كإنسان، وهو يقول: “لأصِل إلى ما أنا عليه اليوم ظلمت الإنسان في داخلي. لم أستمتع كإنسان في الحياة، كل إجازاتي كانت عبارة عن موسيقى”.

اقرؤوا أيضًا: قيصر الغناء العربي كاظم الساهر يعطينا من خبرته دروساً في الحياة

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع