تابعوا ڤوغ العربية

في شهر التوعية بالسرطان، بولا حجل تنعى بعبارات مؤثّرة رحيلَ شقيقتها الحبيبة ميشيل

بولا حجل مع شقيقتها ميشيل في دبي. بإذن من بولا حجل

بولا حجل مع شقيقتها ميشيل في دبي. بإذن من بولا حجل

القصة كما رُوِيَت على مسامع دارا باتيا.

“كانت أختي ميشيل مقربة إلى قلبي بدرجة تفوق الوصف. ونحن من عائلة صغيرة، أنا الأخت الكبرى، ثم أختي كرستين، ثم أختي ميشيل وهي أصغرنا والأحب إلينا. رحلت أختي عن دنيانا منذ أربعة أشهر بعد صراع طويل مع مرض السرطان عن عمر يناهز 25 عاماً. وكانت تحلم ضمن رسالتها الهادفة في الحياة أن تنقذ حياة الآخرين وتساعدهم على تجاوز ما لم تتمكن هي من تجاوزه. وبدافع حرصي على استكمال رسالتها وتحقيق أمنيتها الأخيرة، أخذتُ أكمل ما بدأته هي. الكل يعرفون الشعور بفقدان الأخت، فيما عداي أنا، فأنا أشعرُ كما لو أني فقدتُ ابنتي. عندما ولدت ميشيل، كان عمري آنذاك 15 عاماً. لقد عمت السعادة بيتنا ما أن اقتحمت ميشيل حياتنا. كنتُ أطعمها الحليب، وأساعدها في تزيين غرفتها. تزوجتُ وأنا عمري 21 عاماً بينما لم تتجاوز هي عامها السادس. أتذكرُ جيداً ملامح وجهها الواجم وهي تسير في حفل زفافي بفستانها الأبيض، ويزيّن رأسَها تاجٌ من الورود. لقد اعتدنا أن نرى الوالدين والعروس يبكون في حفلات الزفاف، ولكن كانت أختي ميشيل أكثر مَن ذرفت الدموع في زفافي. فلم تكن تريدني أن أذهب، لم تكن تريديني أن أنتقل للعيش في دبي. ولكن ماذا كان بوسعي أن أفعل؟ قلتُ لها إننا سنتحدث يومياً، وفعلاً فعلنا ذلك. كان عمرها 11 عاماً عندما سافرتْ لأول مرة خارج البلاد من بيروت إلى دبي لتزورني. لم يحدث أن غضبت ميشيل أو تذمرت يوماً، بل كانت سعيدة وإيجابية على الدوام. كنّا نذهب إلى الفجيرة والشاطئ والمول، وكنّا نقضي معاً أجمل الأوقات. وكنتُ أخشى أن تتبدّل الأحوال عندما تكبر وتصير شابة، ولكن مخاوفي لم تكن في محلها، إذ لم يتغيّر شيء على الإطلاق. فقد غدت أختي الصغيرة فتاةً جميلةً وهادئةً وطيبةً ومتفائلةً. لم تكن ميشيل تشبه الفتيات في مثل عمرها، فلم تذهب أبداً للملاهي الليلية لترقص وتلهو مثلما يفعل الشباب، هل تتخيلون؟ لم تكن تحبّ المكياج مطلقاً، لم تكن تحبّ أن تعري جسمها، والأهم من ذلك كله، كانت دوماً تمد يدها لمساعدة الآخرين. وقد حصلت ميشيل على منحة دراسية تقديراً لتفوقها الدراسي. والمرة الوحيدة التي استدعت فيها المدرسةُ وليَّ أمرها للحضور كانت بسبب مساعدتها لأصدقائها في إجابة اختباراتهم. حتى وهي طفلة كان لها قلب كبير.

 ميشيل في حفل خطوبتها قبل ثلاثة أسابيع من تشخيص إصابتها بالسرطان. بإذن من بولا حجل

ميشيل في حفل خطوبتها قبل ثلاثة أسابيع من تشخيص إصابتها بالسرطان. بإذن من بولا حجل

كانت أختي ميشيل الأكثر تديُّناً من بيننا. كنا نعلم كيف نصلي، ولكنها علمتنا كيف نؤدي صلواتنا بالشكل الصحيح. كانت تقول لنا دوماً: ’الصلوات تصنع المعجزات‘. لقد أعطتنا ميشيل القدرة على أن نتقرب للرب بقلوبنا، والآن كل مرة أشعرُ بافتقادها، فقط أصلي؛ ففي تلك اللحظات أشعرُ بها تقف إلى جواري وبالقرب مني. لطالما أبدتْ ميشيل للجميع رغبتها قائلةً: ’أريدُ أن أصبح مثل بولا. أريدُ أن أربي أبنائي كما تربي أبناءها. أريدُ أن أحبُّ والديَّ كما تفعل. أريدُ أن أكون مستقلة مثلها‘. وها قد دارت بنا الأيام لأريد أنا أن أكون مثل ميشيل، أريدُ أن أكون شجاعة مثلها، وقوية مثلها، ومُحبِّة مثلها. إنها الفتاة الوحيدة التي تظل محافِظة على ابتسامتها وضحكتها ولا تنفك عن مساعدة الآخرين وتقديرها لهم رغم ما تعانيه من آلام قاسية ومضنية.

عندما شاركتْ شقيقتي في مسابقة ملكة جمال لبنان لعام 2016 وحصلت على المركز الرابع، لم يكن غرضها أن تلفت انتباه العالم إلى جمالها، وإنما جلّ ما أرادته أن تبعث رسالة للعالم. فعندما سألها أعضاء لجنة التحكيم عن أي شخصية من شخصيات الماضي تريد أن تكون، أجابت ميشيل: ’أود أن أكون الأم تيريزا، فأنا أريد أن أساعد الناس مثلها‘.

ميشيل في أغسطس 2018. بإذن من بولا حجل

ميشيل في أغسطس 2018. بإذن من بولا حجل

وبعد مضي عام على المسابقة، وخلال أعياد ميلاد عام 2017، خُطِبَت إلى مارون أبي عتمة. كان من المفترض أن تبدأ ميشيل فصلاً جديداً من حياتها بهذا الحدث السعيد، ولكننا لم نكن نعلم أن قصتها كانت تنسج لها خطوط النهاية. كانت ميشيل تتعرّق وتسعل كثيراً، غير أن هذه الأعراض لم تثر أبداً قلقنا، اعتقاداً منا أنها تعاني فقط من الإنفلونزا. وبالفعل، سافرتْ ميشيل برفقة خطيبها وأصدقائها إلى ڤيينا وبراغ حيث قضت أسبوعاً كاملاً. ولما عادت، اشتد عليها المرضُ وصارت تسعل بكثافة، وكان ذلك يوم 7 يناير. نصحتُ ميشيل وقتها بأن تذهب لزيارة الطبيب الذي بدوره طلب إجراء أشعة إكس. وفي اليوم التالي، استدعاني الطبيب وأخبرني أن الوضع أسوأ مما نظن، ولكنه لم يتوصل بعد لمعرفة طبيعة الحالة بالتحديد. وأخذتُ منه وعداً ألا يطلع ميشيل على أي تفاصيل إلى أن نتعرف أكثر على الحالة. ولما استدعاني الأطباء في مرة تالية، أخبروني أن حالة شقيقتي الصغرى قد شُخِّصَت على أنها سرطان الغدد الليمفاوية اللاهودجكين، في المرحلة الرابعة منه. لقد نزل علي الخبر كالصاعقة حتى كدت أفقد عقلي. لم أستطع السيطرة على دموعي التي أخذت تنهمر على وجهي لاشعورياً. إنها شقيقتي وابنتي، ولا أطيق أبداً أن يصيبها أي مكروه. لم أكن أمتلك الشجاعة لأخبرها بحقيقة إصابتها بهذا المرض اللعين، فانتظرتُ ثلاثة أيام محاولةً أن ألملم شتات نفسي. وبعد أن استجمعتُ شجاعتي أخيراً ودخلتُ غرفتها، كانت تعلم بالفعل أن ثمة خبر مفجع ينتظرها. قلت لها: ’ميشيل، حبيبتي، ركزي فيما سأقوله لكِ الآن‘. وما أن أنهيت جملتي حتى أجهشت هي بالبكاء، فوارت وجهها خلف بطانية وأخذت تبكي. كنتُ أشعر بمدى ألمها عندما التفتت إليّ لتسألني: ’هل سأفقد شعري؟‘، فقلتُ لها بكل أسف نعم، ستفقدينه، ولكننا جميعاً إلى جواركِ، وبالنسبة لشعركِ، سيعود لينمو ثانيةً. ظلت أختي قابعة في غرفتها ولم تغادرها لخمسة أيام كاملة. وفي اليوم السادس، هبّت بكل قوة من غرفتها عازمةً على أن تبدأ علاجها الكيماوي. وبعد الجلسة الثانية من العلاج، بدأ شعرها يتساقط وكان شعرها طويلاً وجميلاً، فطمأنتُها ونصحتُها بأن تنفض القلق عنها، فسوف نقص شعرنا معاً ونحلق رأسينا معاً، وأكدتُ لها أني لن أتركها وحدها تعاني هذا الألم. وبعد أن ذهبنا معاً للصالون، توعدتني قائلة: ’سأقاطعكِ إن فعلتِ ذلك بشعركِ‘. لم ترد ميشيل أن تضع شعراً مستعاراً لتخفي به ما حلّ برأسها، ورغم ذلك لم تتغيّر نظرتها للجمال. فقد كانت تظهر بكل ثقة على مواقع التواصل الاجتماعي لتري العالم كله أنها لا تخشى هذا المرض. نمتُ إلى جوارها تلك الليلة وظلّت تبكي طوال الليل، إلا أنها ما أن استيقظت في الصباح حتى عادت ابتسامتها العريضة تملأ وجهها من جديد. إن ميشيل محارِبة حقيقية.

ميشيل حجل بالمستشفى قبل سفرها إلى أمريكا لتلقي العلاج. بإذن من بولا حجل

ميشيل حجل بالمستشفى قبل سفرها إلى أمريكا لتلقي العلاج. بإذن من بولا حجل

استمرت ميشيل تتلقى العلاج الكيماوي لنحو ستة أشهر، بداية من يناير 2018 وحتى يونيو من العام نفسه. ولما انتهت من تناول جرعاتها العلاجية، غمرتها سعادة بالغة، وباتت تعلن في كل مكان أنها شُفِيَت من السرطان وأن شعرها سيعود وينمو مجدداً. ولكن هذه السعادة لم تدم طويلاً بعد أن عاودها المرض بهجماته الشرسة. للأسف، لا يتوفر بلبنان سوى العلاج الكيماوي العادي فقط، أما حالة ميشيل فكانت تستدعي إجراء جراحة زراعة النخاع الشوكي، والتي لا تتوفر التجهيزات اللازمة لإجرائها في أي مستشفى أو عيادة طبية بلبنان، فنصحنا الطبيب المعالِج بالسفر إلى أمريكا لاستكمال العلاج هناك. وكي تحظى ميشيل بفرصة أخرى للحياة، كان يلزمها تأمين قدره 750 ألف دولار أمريكي، والذي لم يكن متوفراً مع أيٍ منا. فقدنا الأمل، ولكن ميشيل لم تفقده أبداً، فأطلقتْ حملتها “ساعدوا ميشيل” FightWithMichele#، وأخذت تظهر في البرامج الحوارية وتشارك في حملات إعلانية عالمية مع ميبلين، علاوة على إلقائها محاضرات في الجامعات. وبمساعدة محبيها وداعميها، تمكنّا من جمع مليون دولار خلال 15 يوماً. إنها حقاً معجزة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، واعتبرنا ذلك إشارة من الرب بأنها ستنجو ولن تفارقنا.

تركتُ أبنائي في لبنان لثلاثة أشهر كاملة سافرت خلالها إلى أمريكا لأكون بجوار ميشيل – لقد طلبوا مني مراراً وتكراراً أن أعود أدراجي، ولكني لم أشأ أو بالأحرى لم أستطع أن أتركها وحدها. كانت أحياناً لا تتعرف عليّ ولم تكن حتى تستطيع الكلام. لم أكن أصدق أن ميشيل حبيبتي تعاني كل هذا الألم. كنت أصلي دوماً من أجلها، وبقيتُ متشبثةً بالأمل أنها ستتعافى يوماً ما. وعندما عدنا إلى لبنان في الأول من يونيو، حُجِزَت بالمستشفى ثانيةً. لقد خاضت ميشيل حرباً طويلة الأمد مع السرطان، وكل مرة اعتقدتْ فيها أنها شُفِيَت وانتهى الأمر، يعاودها المرض بهجماته من جديد. إلى متى سيظل القدر يختبر قوة شقيقتي؟! قالت لي ميشيل في اليوم السابق لاحتجازها بوحدة العناية المركزة: ’بولا، أنا لن أعود للبيت، أنا على يقين من ذلك. لن أعود هذه المرة‘، فصرختُ في وجهها قائلةً: ’هذا الكلام غير صحيح‘، وكأنها كانت تشعر بأن هذه هي النهاية. وفي صباح اليوم التالي، أدخلوا شقيقتي في حاضنة وظلّت بها لمدة أسبوعين. لقد تمزّق قلبي حزناً على رحيل أختي الحبيبة.

وكما هو معتاد في ثقافتنا، ألبسناها زيّاً أبيض وقفازات. جلست أمي إلى جواري وأمسكت بيدي لتقول لي: ’بولا، عليكِ أن تختاري لها فستان زفافها، إذ كانت تنوي اصطحابكِ لتشتريه معها لمراسم زفافها. واليوم هو يوم زفافها‘. لقد كانت أصعب لحظة مرّت عليّ في حياتي. ناهيكم عن أن إلباس شقيقتي زيّ عروس يوم رحيلها عن الحياة تصرّف لا تفسير له، فهو لم يورثنا سوى الشعور بالأسى وانفطار القلب على شقيقتي الفقيدة. وفيما كنتُ ألبسها الفستان، رأيتُ وجهها شاحباً تماماً وقد راح وهجه وإشراقه. لقد كانت ميشيل ترقد في سكون بوجهها الملائكي.

لطالما أخبرتني ميشيل أنها لا تريد أن تموت، وأنه لا يزال أمامها الكثير لتنجزه. وهذا بالضبط ما سأفعله، فسوف أكمل رسالتها في الحياة. ففي يوم 9 نوفمبر وهو اليوم الموافق لتاريخ ميلاد ميشيل ووالدتي وأنا أيضاً، سوف أعلن إطلاق جمعية “ميشيل هوب” (أمل ميشيل)، فـ’أمل‘ هو الاسم الذي أرادت شقيقتي أن تسمّي به طفلتها، وسوف أحقق لها حلمها بهذه المؤسسة التي تضطلع بمساعدة مرضى السرطان سواء مادياً أو معنوياً. سأكملُ هدف أختي، وسيظلّ الرباط بيننا موصولاً إلى الأبد”.

نشر للمرة الأولى على صفحات عدد أكتوبر 2019 من ڤوغ العربية.

اقرؤوا أيضاً:  كيف مهّدت نعمة التبنّي للقائي بابنتي؟

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع