تابعوا ڤوغ العربية

هل يكمن سر علاج آلامكِ وعاداتكِ السيئة في عقلكِ الباطن؟ إليكِ كل ما يهمّكِ معرفته عن العلاج بالتنويم

الصورة: Getty

الصورة: Getty

بينما كنتُ مستلقيةً على ظهري على كرسي جلدي وثير وساقاي مرفوعتان وأضعُ السماعات في أذني، وجَّهتني لويزا كيرناندر، إخصائية العلاج بالتنويم من مركز مايند سوليوشنز في دبي ، قائلةً: “أطلقي العنان لأفكاركِ، ولا تقيِّديها بما أقول”. أغمضتُ عينيّ، وبدأتْ أصداء موسيقى هادئة تملأ أرجاء المكان، ثم أخذتْ كيرناندر ترشدني لأداء بعض تمارين التنفس. وبعدها، رحتُ أركز على أجزاء أخرى من جسمي، مرسلةً برسالة لكل خلية فيه بأن تسترخي. شعرتُ بحكّة. وصرف ذلك انتباهي للحظات عن صوتها الهادئ، فانحنيتُ وحككت ركبتي، وبذلك ظننتُ أني قد أفسدتُ أولى محاولاتي للعلاج بالتنويم.

قالت كيرناندر: “تخيّلي أنكِ طائر”. وفيما أخذتْ ترسم في خيالي معالمَ منظر طبيعي [طلبت مني أن أتصوّره]، بدأتْ تصف أخدوداً، وجدراناً من الأحجار الكريمة، وحافةً عشبية. ومن هنا، بدأ حلم اليقظة يمضي في سبيله: بدأتُ أتصوّرُ ألواناً تدور مثل الدوامة ثم ظلاماً دامساً، ثم سمعتُها تقول: “واحد، اثنان، استفيقي؛ ثلاثة، استعيدي نشاطكِ؛ أربعة، خمسة، افتحي عينيكِ”. وهكذا عدتُ إلى الغرفة دون تردد. أشعرُ بجسمي ثقيلاً على المقعد، كما لو كنتُ قد غفوت، وعقلي في حالة استرخاء تام. استغرقت هذه الجلسة في حقيقة الأمر 20 دقيقة، مرت عليّ وكأنها لا تزيد عن خمس دقائق.

يعد العلاج بالتنويم من طرق العلاج البديل الذي مارسته مختلف الثقافات في شتى أنحاء العالم على مدى قرون من الزمان. وبعد أن أقرت به الأوساط العلمية بوصفه أحد المناهج العلاجية والنفسية، أصبح منذ فترة طويلة بعيداً كل البعد عن صورة ألسنة اللهب المتوهجة وساعات الجيب المتأرجحة يميناً ويساراً كما كانت تصوّرها لنا الأفلام. “ينطلق بكِ العلاج بالتنويم في رحلة إلى وعيكِ الذاتي، حيث تصلين إلى أقصى أعماق عقلكِ، وتعيدين برمجة أفكاركِ، وتغيّرين معتقداتكِ، وتشفين من تجاربكِ”، هكذا توضح سونيا كيران بنجابي، مؤسِّسَة مركز إليومينيشن ويلبيينغ سنتر في دبي، تعليقاً على العلاج بالتنويم.

لقد ثبت بالبحث العلمي أن العلاج بالتنويم يستطيع مجابهة كل الأمراض، بدايةً من الفوبيا بصورها المختلفة، مروراً بالسمنة والإدمان والأرق، ووصولاً إلى الأمراض الجسمانية النفسانية مثل الصداع النصفي. ويعتمد إخصائيو العلاج بالتنويم في علاجهم على مخاطبة الجزء اللاواعي من العقل، أو ما يعرف بالعقل الباطن. “إنه بنك هائل من البيانات يحوي كل ذكرياتنا والمعلومات التي تمت تغذية عقولنا بها قبل أن نولد”، هكذا تقول أنا ييتس، إخصائية العلاج بالتنويم ومؤسِّسَة مركز مايند سوليوشنز. فمن خلال إعادة برمجة اللاوعي، يمكن أن نغيّر من عاداتنا السلوكية. تقول ييتس: “حتى يتسنى لنا إعادة برمجة العقل اللاواعي، علينا أن نشتت انتباه العقل الواعي”.

تتألف جلسات العلاج بالتنويم النموذجية من قسمين. ويشتمل القسم الأول على مناقشة الأهداف المرجوة منها. “توقعي [خلال القسم الأول من الجلسة] الكثير من الأسئلة، والكثير من الدردشة التفاعلية”، كما أوضحت كيرناندر. أما القسم الثاني، فهو الذي يجعلكِ فيه المعالجُ تدخلين في حالة أشبه بالغيبوبة من خلال التأمل الموجَّه، مع التركيز على هدف محدد. وتشير كيران بنجابي موضحةً: “يحث المعالِجُ عميله على الدخول في حالة التنويم من خلال حشو عقله الواعي رويداً رويداً بكمية رسائل أكثر مما يستطيع التعامل معها، فيترك زمام الأمور بشكل مؤقت للعقل اللاواعي”.

وما أتي بي إلى مركز العلاج بالتنويم هو رغبتي في التغلّب على عادة الأكل الانفعالي، فكثيراً ما ألجأ إلى تناول البيتزا والوجبات الخفيفة كطريقة للتنفيس عن مشاعري في الأوقات التي يقترب فيها موعد تسليم مهام العمل ويتفاقم معها شعوري بالتوتر. إنها عادة لديّ منذ أن كنت طفلة. “لستِ بحاجة للطعام لتخفيف مشاعركِ السلبية”، هكذا أطربت كيرناندر مسامعي. أخذتُ أستمع إلى تسجيل جلستنا، حيث تعمد كيرناندر إلى تسجيل جلسات كل عميل يأتي إليها من منطلق اعتقادها بأن التكرار عامل أساسي في تدريب المخ. وبالفعل، نجح الأمر معي. وفي الحقيقة، أنا لم أدخل في غيبوبة عميقة بينما يتلاشى صوتها في ضوضاء الخلفية -عدا عن قيامي بتشغيل صوتها وقت الخلود للنوم- فيغلبني النعاس. نعم، لقد نجح الأمر معي بالفعل. فخلال الأسابيع القليلة الماضية، أصبحتُ أتحكم في تناولي للوجبات الخفيفة، وباتت ملابسي واسعة عليّ، كما بتُّ أشعر أكثر استرخاءً. يركز أسلوب مركز مايند سوليوشنز في جزء منه –وهو الأسلوب الذي تعتمده كل من ييتس وكيرناندر- على التخلّي عن العادات السيئة والتحلّي بأخرى إيجابية. وهذا هو الدور الحيوي الذي يضطلع به التزامي بروتين العناية بالنفس. فبدلاً من أن أتوجه إلى علبة البسكويت لدى عودتي من العمل مباشرة، غدوتُ أركز الآن على تطبيق روتين العناية بالبشرة المؤلف من 12 خطوة والذي لم يكن لديّ وقت لتنفيذه من قبل.

هل يقف العمر حائلاً دون تحقيق نتائج مثمرة؟ عن هذا التساؤل تجيب كيرناندر قائلة: “طالما كان لدى الناس الرغبةُ في التغيير، فلا يهم كم عمرهم، فبإمكاننا مساعدتهم على أية حال”. ولكن العلاج بالتنويم لا يؤمّن وحده التغيير المستدام للعادات السلوكية، على حد قول إخصائية علم النفس الإكلينيكي الدكتورة صليحة أفريدي، المديرة الإدارية لدى لايت هاوس أرابيا. “إنه لا يقوم على أدلّة مقنعة كغيره من أنواع العلاج النفسي الأخرى. كما أن الاعتماد عليه وحده غير مجدٍ. وإنما تتحقق أقصى درجات الفائدة منه عندما يكون جزءاً من خطة أكبر وأكثر شمولاً للعلاج النفسي”. وقد تناولت بعض الأبحاث بالدراسة موضوعَ العلاج بالتنويم، ومن بينها دراسة نشرتها كلية الطب بجامعة ستانفورد عام 2017، التي توصلت إلى أن هناك مناطق معينة بالمخ يتغيّر نشاطها أثناء غيبوبة التنويم، وبالأخص المناطق المسؤولة عن الحفاظ على التركيز، ومن ثم تظل مفتوحة أمام الاقتراحات اللفظية التي تقدم إليها، فتفسح المجال أمام التغيير السلوكي. وتعرضت الدراسة أيضاً لأوجه قصور العلاج بالتنويم، حيث توصلتْ إلى أن حوالي 15% من الأشخاص لا يخضعون بسهولة للتنويم. كما أن هؤلاء الذين يستخفون بهذه الطريقة العلاجية ويشككون بها لن يبدوا -في الغالب- أي تغيير في أنماط مخهم بينما يعالجون بالتنويم. أما مَن يتقبلونه، فربما يحتاجون لجلسة علاجية واحدة للتغلب على مشكلاتهم، في حين قد يحتاج آخرون لعدة جلسات. وعلى الجانب الآخر، يجب أن تعثروا على إخصائي كفء تضعون ثقتكم فيه ويرشحه لكم الكثيرون.

تبدأ تكلفة جلسة العلاج بالتنويم التي مدتها 90 دقيقة بمبلغ 550 درهماً إماراتياً – إذا كنتِ تعانين من الفوبيا أو من التوتر العصبي أو حتى من ألم مزمن، فالنتائج التي ستحصلين عليها لا تقدر بثمن.

نشر للمرة الأولى على صفحات عدد أكتوبر 2019 من ڤوغ العربية.

اقرؤوا أيضاً: روبرتو كاڤالي تطلق عطرين جديدين يأسران القلوب من أول وهلة

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع