تابعوا ڤوغ العربية

دار راقية للعطور تعيد إحياء العطر الأسطوري الفاخر إيريس غريس

المديرة الإبداعية رانيا نعيم

“هو بمثابة أسطورة في أذهـان الناس، ويُعتبـر أزكى عطـور العالم”… في غرفـة مكتبهـا داخـل دار بانـوج للعطـور، ومقرهـا جادة ڤيكتور هوغـو الباريسـية الراقية، يرتجف صوت المديـرة الإبداعية رانيا نعيـم الرقيـق والمشـحون بالعاطفـة عندما تنبــس بتلــك الكلمات. ومع ذلــك تبدو -وهي جالسة إلى طاولة مكتبها، التـي يحمل تصميمها توقيع علامة سـتارك، ومحاطة برسـوم بالألوان المائية- متزنة وممسكة بزمام الأمور في إطلالة يميزهـا بنطلون أسـود وقميـص أبيض ذو كشـاكش وحـذاء مسـطح من غوتشـي، فيما يتدلى قـرط فلامنكو وردي من علامة إيه بي إم موناكو من إحدى أذنيها، ما يوحي بـأن حيـاة ابنة بيـروت هـذه لا تـدور في مجملها حـول العمل والتضحيـات فحسـب. وهـذا بالتحديـد ما يبـدو أنه استنفذ الأعوام العشـرة السـابقة من حياتهـا، من اللحظة التي قررت عندها المضي قدماً على درب مغامرة مشوقة الهدف منها استعادة ذلك الجمال الكامن بسكينة ووقار خلف عطر إيريس غريس وإعادته إلى عرش عالم العطور.

عندما أوكل مصمم الأزياء الراقية جاك فات (1912-1954) إلى ڤينسـنت روبـرت مهمة ابتـكار العطـر عام 1947، بـدا أنه يحتـوي على نسـبة 30 في المئة من السوسـن (محلول، ومادة صلبــة، ومركــب صناعــي). وبخـروج هــذا العطـر إلى النـور تحـت اسـم ’إيريس غريس‘ اسـتقبل العالم العطــر الأثمن على الإطلاق، ولكـن سـرعان ما توقـف إنتاجـه عندما رحـل فات عن عالمنا بعد صراع مع مـرض سـرطان الـدم. وقـد عجـزت أرملته عن الحفـاظ علـى مشـروعه التجـاري الـذي سـبق لـه اسـتقبال متدربيـن أمثال دو جيڤنشي، وڤالنتينـو، وبالمان. واليـوم، لا تـزال الوصفـة محفوظـة بعيـداً عن العيـون داخـل خزنـة في أوسـموتيك، وهو مجمع يضم متحفاً للعطور وأضخـم أرشـيف للروائـح في العالـم، في مدينـة فرسـاي الفرنسـية. يصـرح ناقـد العطـور المعـروف والحائـز جوائـز لــوكا توريـن، بناءً على عمله في شـم عينـات أصليـة خاصة بجامعـي العطـور الثمينـة، أن العبيـر الأصلي هــو في الحقيقة: “أقــرب إلى البنفسـج منه إلى السوسن، اسـتناداً إلى مسـحوق نباتي ناعـم وفاخـر النوعيـة”. ويضيـف أن نسـخة متحـف أوسـموتيك، وهـي نسـخة عطرية معـاد إنتاجها وفــق التركيبـة السـرية التـي كشـف عنهـا ابـن روبـرت، هـي بكاملهـا عبارة عن زبـدة سوسـن مكلّفة جداً مع الخـوخ؛ وهــو أسـاس قرنفلي لسـت مغرما بـه”.

عطر ليريس دو فات. بإذن من بانوج

وعندما اشـترت بانوج دارَ جاك فات عام 2008، بدأت رانيا نعيـم رحلة طويلـة لجمع أكبـر قدر ممكن من المعلومات عن عطــر إيريس غريس وأسطورته. وفي غضـون ذلـك، أطلقـت مجموعتيـن ضمن خـط فات إسينشالز – الأولى منهما كانـت بالتعـاون مع صانعـة العطـور سيسـيل زاروكيـان والثانيـة مع لوكا مافي. وتم الكشـف عن العطـور الثمانيـة بألوان قوية، وهـي تسـتثير روح الترحال والمـرح. وكان من بينهـا عطــر جاك فــات الكلاسيكي غرين واتــر (1946) الـذي أعيـد إنتاجـه.

ومع بدايــة تنفيـذ خطتهــا لاســتعادة عطــر إيريس غريس إلى سـابق عهــده، تسـتذكر نعيم قائلةً: “لم أجـرؤ على تحديــد العطـر بمفــردي، فقــد احتجــت إلى إحاطة نفسي بالمؤرخيـن والنقاد وصانعي العطـور لكـي أبتكـر ما يمكـن أن أعتبـره نسـخة جديدة لائقة، لـذا اتصلـت بالجميـع، بدءاً من لوكا تورين -أول مَن كتــب عن إيريس غريس- لمـد يد العون لي وتشكيل لجنـة من الحكام”. وفي تلك الأثناء، كانــت ساسكيا ويلسـون براون، مؤسسة ومديـرة “معهــد الفـن والروائـح العطرية”، قــد سـمعت أنباء عن إعادة إطلاق هـذا العطر في لوس أنجليس، وأبلغـت نعيم برغبتها في توثيق ذلك في فيلم. وعلى هذا النحو أصبـح كل شيء جاهزاً وتم تقديم عينـات لخمسة من صانعي العطور، أحدهم من عمالقة الصناعة، بالإضافة إلى منحهم حق اسـتخدام مكونات متحـف أوسـموتيك وإمهالهم تسعة شهور لإنتاج أعمالهم الخاصة. وكان من المقرر اختيار الفائز عن طريق ما يعـرف بـ”التجربـة العمياء” )حيث يتم التكتم على معلومات الاختبار التي يمكن أن تسـبب تحيزاً في النتائج وإخفاؤها عن القائمين بالفحص).

عطر ليريس دو فات. بإذن من بانوج

 تقول رانيا نعيم: “أعطي كل صانع عطور أربع عينات مختلفة من عطر إيريس غريس، لكل منها رائحة مختلفة، وهو أمر طبيعي بالتأكيد”، وتردف: “هناك العديد من المواد الطبيعية في هذا العطر، والمادة الحية تتغير مع الوقت”. وإلى جانب السوسن، يحتوي العطر أيضاً على الخوخ، والبنفسج، والقرنفل، وعشبة ڤيتيڤر بوربون، والياسمين من مدينة غراس الفرنسية، والذي يُباع مقابل 136 ألف دولار أمريكي للكيلوغرام. ويتم في كل عام إنتاج كمية محدودة من الياسمين، الذي يلقب بـ”الذهب الأبيض”، في بلدة صغيرة تقع جنوب فرنسا. وقد تمكنت نعيم من الحصول على القليل من تلك الكمية المحدودة، بالرغم من أنها تُدخر بصفة عامة من أجل شانيل وديور وحدهما. تقول: “طلبنا من صانعي العطور ابتكار توليفة من هذه الروائح جميعها. وبما أن كل نسخة منها لا تشبه الأخرى، فالمهم هو إعادة ابتكار المشاعر نفسها التي تثيرها في النفس. إن عطر إيريس غريس معلم تذكاري مثل برج إيفل، إذ يعتبره الجميع العطر ’الخاص‘ بكل منهم”.

وجاء قرار لجنة التحكيم بالإجماع، قال تورين بحماس: “إنه يجمع الأساس العذب للعطر الأصلي مع الدرجة العطرية العليا الرائعة للعطر الثاني (وأكثر من ذلك بكثير)، وهو مسحة أنيقة يغمرها الحنين”. تواصلت نعيم مع الفائزين عبر سكايب، في حين قامت ويلسون براون بالتصوير. ووقع اختيار ابتكار العطر في النهاية على: باتريس ريڤيلارد، وهو صانع عطور يبلغ من العمر 25 عاماً لم يكن قد حصل على شهادته بعد في ذلك الوقت [هو الآن خريج المدرسة العليا للعطور]. تقول نعيم: “كان بإمكاني أن أقول: ’إنه صغير السن جداً. إيريس غريس عطر مهيب‘، ولكني قلت نعم، وكانت لجنة التحكيم متفقة بالإجماع”.

مصمم الأزياء جاك فات

بعد تحديد مكونات العصارة، اختارت المديرة الإبداعية لدار بانوج، التي قادت دفة المشروع من البداية إلى النهاية، اسم “ليريس دو فات” للعطر الجديد. وتنعم القارورة التي تحتوي على العطر الجديد بلمحات تصميمية تحيل الذهن إلى القارورة الأصلية؛ إذ تتباهى بحفر لاسم جاك فات، كما تمتاز بغطاء طويل وممشوق بثماني زوايا، وبتصميم يستحضر في الأذهان رؤوس ألماسية ثمينة. وتستقر قارورة العطر ذات الثلاثين ملليلتراً بأناقة تامة داخل علبة تحوي وسادة ساتانية تذكرنا بعلبة مجوهرات نفيسة.

تتلمس أصابع المديرة الإبداعية لدار بانوج بكل لطف قوارير العطر البالغة نحو عشرين قارورة مستقرة فوق مكتبها، والتي تمثل جهد عام كامل. لقد عات للتو من اسكنس ميلانو، وهو معرض يقام سنوياً لدور العطور المتخصصة، والمكان الذي كشف فيه النقاب عن عطر ليريس دو فات للمرة الأولى. وعن ذلك تقول: “قصد رجل جناحنا في المعرض ومعه قارورة عطر إيريس غريس اشتراها من جامع عطور مقابل 2200 دولار أمريكي، وقال لي: فهمت أنكِ صنعت إصداراً جديداً من إيريس غريس، لقد أحضرت العبوة الأصلية معي، وما تزال مغلقة، وأود فتحها هنا، في جناحكم، ولكن أريد في البداية أن أشم ما ابتكرتموه”. قام بشم عطرنا، ومن ثم قدم لي بعينين دامعتين عبوة عطره إيريس غريس، وقال:”مكانها معكِ”. وأول عبوة من إنتاجنا ستكون له”. عطر إريس دو فات يقتصر على 150 عبوة في العام الواحد، ويتم بيعه في متاجر مختارة بما فيها جوڤوي، وروجا دوڤ، وكامبومارزيو70، بدءاً من 1850 دولاراً أمريكياً لكل 30 ملليلتراً منه.

كارل لاغرفيلد يحول الأحلام إلى حقيقة في مجموعة شانيل لريزورت 2019

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع