تابعوا ڤوغ العربية

هكذا أصبحت ريم عكرا واحدة من أبرز مصممي إطلالات السجادة الحمراء في العالم

وضعت المصممة اللبنانيّة المبدعة ريم عكرا بصمتها الخلابة على إطلالتين بارزتين في حفل الأوسكار 2018، من ضمنها إطلالة الفائزة بجائزة أفضل ممثّلة مساعدة أليسون جاني. ذلك ليس بغريب، فريم تعد واحدة من المصممين البارزين في العالم العربي، وهي ضمن الخيارات الأولى لنجمات السجادة الحمراء. اقرؤوا هنا حوارها مع ڤوغ العربيّة داخل عدد شهر يونيو 2017، وتعرّفوا عن قرب على هذه الموهبة العربيّة الفذّة. 

تتحدّث ريم عكرا عن الحدس، حدسها، ولعلّها تقصد الموهبة. وهي من دون شك أثبتت موهبة ولدت لديها منذ أعوام الطفولة الأولى. “أؤمن بما يسمى القدر، وبالتربية. منذ بداية الطريق، رافقتني أمي إلى السوق لتعلّمني شراء الأقمشة، كانت تدرّبني على ما أحبه لكنها طبعاً لم تكن قد خططت لما سيصبح شغفي. وهي كانت تحب الأقمشة من دون أن تكون مهووسة بالموضة، إلا أنّها كانت تصمّم أزياءها، وقد علّمتني هوايتها. كانت الخياطة “سلمى” تخيط لي ثيابي. تضع الجريدة عليّ وتسألني: هل أقصّ أقصر أو هل أقصّ هنا أم هناك؟ كانت تستعمل الجريدة كبترونة، وكانت كبيرة في السن لا تحب ماكينة الخياطة الكهربائية، وتخيط بالطريقة التقليدية. وكنت حين أعود من المدرسة أشدّ القماش لأقصّه. تعلّمت من سلمى تنفيذ القطبة والدرزة، أجلس ساعات لدراسة ما تفعله. كانت تعمل بدقّة، تخيط ثم تكوي كل قطعة، ثم تقصّها.”

نشأت ريم مقتنعة بحقيقة أنها قادرة على تصميم الأزياء، وهو ما كانت تفعله “نشتري القماش كل يوم سبت، أنا أختار القماش. وعندما أصبحتُ مراهقة، شجعتني أمي على الالتحاق بصفوف الرسم الذي كنت أجيده. مذ كنت في الحادية عشرة، كنت أرسم، وقد نُظّم في مدرستي، الإنترناشيونال كوليدج، معرضٌ للوحاتي. كنت في الثالثة عشرة ونجحت في بيع اللوحات التي وجدت مَن يكتب عنها مقالة نقدية في جريدة “لوريان لوجور” ما زلت أحتفظ بها إلى الآن.”

وفي الجامعة الأميركية في بيروت حيث نالت ريم شهادتها الجامعية الأولى نُسجت في ذاكرتها تجربة العرض الأول الذي صمّمت أزياءه. “انضممت في الجامعة الأميركية في بيروت إلى ثلاثة أندية: ناد للأعمال لأنني تخصّصت في إدارة الأعمال، ونادي الفلكلور الذي لم أنضم إليه بهدف الرقص بل لأنني كنت أحبّ الأزياء الفلكلورية وأذكر أنني صنعت أزياء أعضاء النادي، ونادي الموضة. عام ١٩٨٢ في سهرة في منزلنا سألتني إحدى صبايا نادي الموضة عن الفستان الذي أرتديه فأخبرتها أنني صمّمته، ثم دخلت غرفتي ورأت الفساتين التي صمّمتها والأقمشة في خزانتي مرتّبة كأنها في متجر. أدهشتها فساتيني، واقترحت أن نعرضها في الجامعة الأميركية. أطلعتُ أمي على فكرتها فوافقت مباشرة، وبعد عشرة أيام نُظم عرض الأزياء الذي قيل إن نحو ألفي شخص حضروه. ولم يكن هذا الحدث عرض الأزياء الأول الذي أقدمه فحسب بل أول عرض أزياء لمصمّم أو مصممة عربية مشكّلاً محطة انطلاق الموضة في لبنان والعالم العربي. عندما انتهى العرض عبّرت لي أمي عن إعجابها بالتصاميم وفخرها بي، وأذكر أنني أخبرتها بما استنتجته على المنصّة وفي كواليس العرض وهو أنني سأصبح مصممة أزياء، ثم طلبت منها أن تساعدني على تحقيق هدفي. عندها قالت لي: سأرسلك إلى نيويورك لتتعلّمي تصميم الأزياء.”

تصاميم ريم عكرا لمجموعة فساتين الزفاف ربيع 2018.  بعدسة ريتشارد ماشادو.

منذ البداية حظيت ريم بدعم أهلها ومباركتهم. ولم يكن دعم أهلها عادياً، كما تؤكد. “علّموني الفن، وأرسلوني إلى أميركا. ولا بد هنا من أن أشير إلى أنني كنت جدية منذ البداية. بدا واضحاً أنني لا أتسلّى، عملت بمنتهى الجدية، وكنت أبيع تصاميمي. كنت في السابعة عشرة، حين كلّفني نادي السبورتينغ في بيروت برسم ثلاث لوحات زالت موجودة هناك.”

فهمت ريم أنها موهوبة، وهذه الثقة دفعتها إلى العمل. “كنت قد كتبت عام ١٩٧٩ جملة وردت في كتاب: أشكرك يا ربي على منحي ما يتجاوز الجمال، القدرة على صنع الجمال. منذ سنّ صغيرة عرفت قيمة قدراتي، ربما هو حدس، أو تفكير إيجابي. لقد شكرت ربي على ما سيحدث لي لاحقاً.”

ريم مقتنعة بأنّ الموهبة هي مفتاح النجاح، إلى جانب العمل الجاد والشاق. “معرفة الموهبة وفهمها مهمّان، كي لا تضيع القدرات.” وليس المكان مهماً كما يمكن أن يظنّ البعض،” شخص مثلي حيثما وجد نفسه يعرف النجاح. حين قصدت “إسمود” في باريس طُلب مني أن أبقى هناك وأتخرّج من هناك. لكنني أردت العودة إلى نيويورك التي أحسست بأنها ستصبح مدينتي. وأظنّني لو بقيت في لبنان لنفذت حلمي بسرعة أكبر، لكانت الأمور أسهل من دون شك. لكنني اخترت الطريق الأطول، بعد شهادة الأعمال في الجامعة الأميركية في بيروت، درست الموضة في معهد “فاشيون إنستيتيوت أوف تكنولوجي” حيث نلت شهادتين، وقصدت إسمود في باريس، ثم سافرت إلى الشرق الأقصى، إلى هونغ كونغ، إلى الصين وتايوان، كنت أصمّم مجموعات لشركات عديدة. تحمّلت مسؤولية ضخمة مبكراً ولم أكن أكتفي بما يُطلب مني، بل أنفذ واجباتي بسرعة رهيبة وأطالب بحمل أثقل.”

منظّمة ومجتهدة وجريئة وواثقة بقدراتها، هذه الصفات ساعدت ريم عكرا على حصد النجاح. كانت تقول دوماً إنها تشعر باختلافها. فما هو أساس هذا الاختلاف؟ “حدسي وموهبتي التي لم يكن ثمة ما يشبهها في أميركا لأنّ طريقة تفكيري مختلفة. قدمت من بيروت، من بيت علّمني أهمية البحث العلمي، بيت أكاديمي منظّم قائم على التفكير في ما هو مبتكر وغير مألوف وعلى الإيمان بأن ليس ثمة ما هو مستحيل. هذا البيت منحني ثقافة راقية لا أقصد بها التعليم الجامعي.”

 

بعد تجربة عملها في التصميم للشركات الكبرى قررت ريم أن تنتقل إلى عالم تصميم الفخامة والترف. “قررت أن ما أستطيع أن أبرع فيه هو الفخامة، فقررت أن أترك عملي برغم إبداعي فيه، وتمسّكت بحريتي وبموهبتي. قلت لنفسي إنني ما زلت صغيرة وإنني أريد أن أجد مكاني في هذا العالم. في هذا الوقت طلبت مني صديقتي أن أتعاون معها في تصميم الديكور، فعملنا معاً خلال ثلاث سنوات. تعلّمت في هذه المدة الزمنية الكثير عن عالم تصميم الديكور، واكتشفت الخيط الذي يربط بينه وبين تصميم الأزياء، وولعي بكل ما هو مرئي. فهمت في ذهني أنني قادرة على امتلاك علامة تجارية، وأن هناك علاقة بين ما أحب أن أرتديه وآكله والأمكنة التي أحب السفر إليها. عرفت أنّ اختياراتي المبنية على ذوقي تعبّر عن علامة تشبهني، بل هي أساس هوية اسم ريم عكرا. خلال رحلاتي إلى دبي أنصح مصممين شباب في مرحلة التدريب بأن يفهموا معنى العلامة التجارية، كرؤية وهوية. وفهم معنى الاسم أو العلامة يسمح به النضج.”

لو بقيت في لبنان لنفذت حلمي بسرعة أكبر

عشرون عاماً مرّت على انطلاق مسيرة ريم عكرا المهنية، فهل نضج المصمّم ينعكس على رؤاه وتصاميمه؟ “الوصول إلى المشهد العالمي يعني أن نقطة الانطلاق أصبحت بعيدة وأن المصمّم (أو المصمّمة) أصبح في مكان آخر. والآن مع البيع أونلاين وتأثير وسائل التواصل المزلزل، يجب أن يختلف نوع التصميم وطريقة تنفيذه عما كانا عليه منذ عشرين عاماً. لكن ما يبقى هو سحر التصميم، وقدرته على أن يكون حلماً، والتأثير الراقي الذي يتركه في من ترتديه ومن ينظر إليه. ما لا يتغيّر هو هوية التعبير عبر التصميم عن الرقيّ والحسّية، بعيداً عن الجاذبية الرخيصة. ولم تتغيّر أيضاً هوية زبونتي الفتاة أو المرأة المثقّفة التي تحب السفر وتقدّر الفخامة. وطبعاً توسعت قاعدة زبوناتي لكنهن لم يتغيّرن. معظم زبوناتي في أوائل الثلاثينيات، لكن حين نصمـّم فستاناً نسعى إلى أن يلائم فتاة في الثامنة عشرة وامرأة في السبعين.”

وهل تتغيّر مصادر الإلهام مع تقدّم الزمن بنا، هل تتجدّد؟ “أرى مصمّمين أسرى للمجموعة نفسها. هؤلاء يقدمون المجموعة نفسها من موسم إلى آخر، قد يبدلّون الألوان ويغيّرون التطريز، لكن فساتينهم تتشابه. أنا أبدع في تحدّي نفسي، إذا طرحت عليّ ثيمة، حدسي يدلني سريعاً على ما يجب أن أقوم به محترمة هوية اسمي. مثلاً تحديت نفسي لأجل “تيفاني” حين أردت تقديم مجموعة فساتين زفاف قلت في البدء إنني سأستلهمها من هوية “تيفاني”. وكان يمكن أن أقدّم أي مجموعة من فساتين الزفاف وأقول إنها مستلهمة من “تيفاني”، لكنني تحديت نفسي. ولد إلهامي من خاتم “تيفاني” والعقدة الشهيرة. ولأن الجواهر تتلألأ فوق خلفية سوداء، قررت أن أقدّم فساتين سوداء طرّزتها بالعقود، والقفازات طرّزتها بالأساور والخواتم. هذه الرغبة في تحدي نفسي تحرّك منابع مخيّلتي وتطرح التجديد في كل مجموعة من مجموعاتي.”

تصاميم ريم عكرا لمجموعة فساتين الزفاف ربيع 2018.  بعدسة ريتشارد ماشادو.

لكن هل يمكن أن تدلّينا على المجموعة الأقرب إلى قلبك بين مجموعاتك، هل هذا الأمر ممكن؟ “ثمة مجموعة أجدها الأقرب إلى قلبي، أردت من خلالها أن أظهر أن الشرق الأوسط غني بالجمال وقادر على تقديمه. قدّمت هذه المجموعة منذ سنتين مستلهمة من ألف ليلة وليلة. زرت الأسواق التقليدية، وصنعت من العباءات أزياء حديثة. هذه المجموعة تحكي حكاياتنا.”

عادت ريم عكرا إلى المنطقة. تزور بلدها لبنان دوماً وتقصد دبي باستمرار بهدف العمل. تحس بأنها تنتمي إلى “مزيج من الحضارات، بل أمثّل هذا المزيج الذي يظهر في ما أقدمه وفي طريقة حياتي. والآن ما عدنا ننتمي إلى مكان واحد أو حضارة واحدة، خصوصاً مع ما نعيشه من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، يحسّ كلّ منا بأنه جزء من العالم، وأنا أحسّ بأنني مزيح من أكثر من حضارتين، فأسلوب أناقتي أوروبي أيضاً، يجمع أميركا والشرق الأوسط وأوروبا.”

أما القماش الذي يشبه ريم عكرا فهو “البروكار،” في حين أن اللون الذي ترتديه غالباً هو الأسود “لأنني محاطة دوماً بالألوان. وأجيد التنسيق بين الألوان التي أعشقها. أصرّ على فعل العشق لأنني حين أحب أمراً ما أغرق في عشقه. أحب البيوت والألوان الجميلة. هذا الشغف هو حياتي، وهو يؤمّن لي الاستمرارية.”

تجارب الأعوام العشرين علّمت ريم أهمية أن تفرّق بين ريم عكرا الإنسان وريم عكرا العلامة التجارية. “لم يكن الأمر سهلاً، كنت خلال الأعوام مشغولة بصناعة الاسم أو العلامة، الآن نجحت في التمييز بين حياتي الشخصية ووجودي ووقتي وبين كيان علامتي التجارية.”

لكن هل كانت المسيرة أصعب لأن صاحبة الموهبة امرأة؟ “كنت أقول إن الأمر غير معقول لأنّه غير مقبول. الآن أشدّد على ما أقوله وأعلنه: ما قمت به وأنجزته كان أصعب لأنني امرأة، ولم يكن ليواجه العوائق والصعاب نفسها مصمّم رجل. عانيت في بداية مسيرتي تمييزاً جنسياً حيثما ذهبت، لكنني كنت أرفض الفكرة لأنني اعتدت أن أُعامَل كأميرة في بيتي حيث تربّيت على أنّ رأيي مهم. مع مرور الأعوام فهمت صعوبة الأمر، وأقول الآن إن نجاح امرأة من دون دعم نظام أو مؤسسة أمر منهك وصعب وشبه مستحيل.”

ما قمت به وأنجزته كان أشدّ صعوبة لأنني امرأة

عائلة ريم صخرتها. “عائلتي تحضنني وتقدّم لي الدعم العاطفي، أستمدّ القوة من علاقتي بإخوتي. لقد أُحطت بالكثير من الحب وإن كنت لم أحصل على دعم مهني أعرف أنّ مَن ينافسونني يعتمدون عليه في الدرجة الأولى، هو دعم عائلاتهم المخضرمة في مجالنا المهني أو دعم مادي جبّار. ورغم كل هذه التحديات استطعت أن أستمرّ وأن أقود الآخرين، وأن أصبح بفخر أول امرأة في الشرق الأوسط تقطف وحدها مجد المؤثرين في هذا العالم. ألهمت كثراً خلال العشرين عاماً الفائتة. في فساتين الزفاف جمعت بين احترام الفكرة التقليدية وبين إطلاق الصيحات. كثر في الولايات المتحدة يعترفون بأنني حدّدت الاتجاهات والقوانين في مجالنا، وينتظرون جديدي دوماً متابعين ما أسّسته منذ عشرين سنة.”

كانت هالي بيري أول نجمة ارتدت فستاناً من تصميم ريم عكرا. “لم يحصل الأمر بسهولة، كان عليّ أن أنتظر ثلاثة أعوام قبل أن ترتدي إحدى الشهيرات زياً من أزيائي. أعجب هالي فستان زفاف قدّمته، فطلبت أن نصبغه بالأزرق الفاتح. وافقت مباشرة، وفي أقل من يوم واحد كان الفستان قد أصبح أزرق. هكذا بدأت علاقتي بهوليوود. الآن يهمنا أن ترتدي أزيائي النجمة المناسبة. تصلنا رسائل يومية، والطلبات المرفوضة أكثر من تلك التي نقبلها، يجب أن تعكس مَن ترتدي الفستان هوية الدار.”

السؤال عن الخطوات المقبلة ومشاريع المستقبل انتزع ابتسامة صريحة من ريم عكرا، ابتسامة ممزوجة بمرارة، “عالم مهنتنا ينقلب ويتغيّر، صناعة الموضة تهتزّ، نحاول الآن أن نبتكر أفكاراً جديدة، الكل ينتظر على أعصابه الآن، ويحاول أن يدرس خطواته المقبلة.”

ريم تزوجت ولم ترتد فستان زفاف. “لم نقم زفافاً، وما ارتديت فستان زفاف. يسعدني أن أكتفي بتصميم فساتين العرائس، وأشعر بالفخر والسعادة كلّما رأيت عروساً ترتدي فستان زفاف من ريم عكرا. أنا أحتفل مع كل عروس ترتدي فستاني.”

تصاميم ريم عكرا لمجموعة فساتين الزفاف ربيع 2018.  بعدسة ريتشارد ماشادو.

الصور بعدسة: ريتشارد ماشادو

مساعد التصوير: ستيفن سبيرانزا

العارضة: دانيك بلاوندراد

الماكياج: نيفيو راجازيني

الشعر: رياض عزار

الأظافر: إيفانا أندرسون

شاهدي هنا كيف واصلت ريم عكرا والمصممون العرب هيمنتهم على إطلالات السجادة الحمراء.

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع