تابعوا ڤوغ العربية

التحوّلات التي طرأت على العباية الخليجيّة وعكست تطوّر حياة المرأة التي ترتديها

تطرأ على العباية النسائية في الخليج تحوّلات تعكس تحوّلات حياة المرأة التي ترتديها، تحوّلات في الشكل وليس في المضمون. نرسم بالكلمات ملامح العبايات القديمة والجديدة

نشر للمرّة الأولى في عدد ڤوغ العربيّة لشهر أبريل 2019

يفرض اللون الأسود نفسه، أنيقاً وغامضاً وكلاسيكياً. ويزداد غموضاً إذا أغرق قطعة من القماش واسعة لا تعانق الجسم بل تغطي تفاصيله. لا شك أن للعباية السوداء هيبتها. وقد تغيّرت وتطوّرت على مرّ الأعوام.

في الماضي كانت النساء يلبسن الإزار، توضح الباحثة الدكتورة ريم المتولي التي أطلقت مبادرة «زي» الهادفة إلى التواصل مع التراث وتوثيق تفاصيله حفاظاً عليه. وتشرح المتولّي قائلة «الإزار، الذي لا تزال ترتديه النساء البدويات في شمال إفريقيا، مؤلف من قطعتين من القماش: قطعة تغطي النصف السفلي من الجسم، وقطعة أخرى تغطي النصف العلوي والرأس. ارتدت هذا الزي النساء في بلاد الشام ثم في المنطقة كلّها. وفي مرحلة ما أصبحت القطعتان، اللتان كانتا غالباً ملوّنتين بألوان مفعمة بالحياة كالأزرق والأحمر، قطعة واحدة. ثم مع الوقت سيطر على هذه القطعة اللون الأسود. لكن متى سيطر الأسود ولماذا؟ فليس الأمر واضحاً. ولعلّ هذا التغيير حصل في أوائل القرن العشرين. وأصبحت العباية قطعة الحرير الأسود التي تغطي الرأس وتترك لليدين من خلال فتحتين مجالاً للحركة. ثم في الثمانينيات مع التغيّرات الاجتماعية التي طرأت على الخليج والسعودية خصوصاً، خلال أعوام الطفرة النفطية، ظهرت عباية الكتف التي أصبحت معطفاً. فمع خروجها إلى العمل احتاجت المرأة إلى أن ترتدي عباية عملية تسمح لها بالتحرّك بسهولة».

تعود المصمّمة السعودية ريم الكنهل إلى صور العائلة لتؤكد أن طريقة ارتداء العباية الآن اختلفت عن طريقة ارتدائها أيام صبا جدتها، «ففي صور غير قديمة نسبياً، من أواخر الستينيات، تظهر العباية سوداء مصنوعة من الحرير، تُلبس مع طرحة شفافة، وتُرفع إلى الركبتين أو فوقهما، ليظهر تحتها الثوب الذي يكون غالباً ملوّناً بالأحمر أو الأزرق أو أي لون بارز وقوي».

من علامة يثينة

تقول الكاتبة السعودية أميمة الخميس في مقالة نُشرت في جريدة الرياض، «يبدو أن العباية بلونها وشكلها الحالي [المعروف] ليست وليدة لنمط ثياب نساء جزيرة العرب، وعلى الغالب وصلت عبر الأتراك إبان الحكم العثماني الذين اختاروا لحجاب نسائهم اللون الأسود». وترى مؤلفة رواية «مسرى الغرانيق في مدن العقيق» المرشّحة لجائزة بوكر 2019 أن النساء العربيات قديماً لم يرتدين «العبايات السوداء التي قد لا تتواءم مع طبيعة بلدانهن الحارة واستقطاب اللون الأسود لأشعة الشمس». لكن الدكتورة متولي تؤكد أن اليشماغ (غطاء الوجه) الذي ارتدته النساء العثمانيات كان أبيض وليس أسود، وتشدّد على أن التركيز على الأسود للعباءة ليس واضحاً، تاريخياً. وهي تطرح نظرية تفيد بأن «السبب يعود إلى الصباغ النيلي أو صبغة النيلة المستخدمة في المنطقة. هو صباغ بالأزرق الداكن المائل إلى الأسود، وقد لوّن أزياء البدو من الخليج إلى المغرب. كما أن هذا اللون القاتم يغطي التفاصيل ويخفيها».
أصبحت العباية السوداء خلال العقود الثمانية الأخيرة جزءاً من الهوية الثقافية للمرأة الخليجية. وخلال العقدين الأخيرين طرأت عليها تغيّرات كثيرة على مستويات مختلفة. فقدت تجلّت الحاجة إلى التعبير عن الأسلوب الشخصي في البداية باعتماد الزخارف المطرّزة وأحياناً الملوّنة على العباية السوداء التي بقيت واسعة طويلة تلامس أطرافها الأرض. وكانت تخفي تحتها الزينة والأزياء الأنيقة.
اهتمام المرأة الخليجية بالموضة العالمية وانفتاحها على الاتجاهات والصيحات المختلفة، خصوصاً مع تطوّر القدرة الشرائية، جعلاها تبحث عن أسلوبها الخاص من دون التخلّي عن العباية. وفي الإمارات أيضاً حيث خرجت المرأة إلى العمل وشهدت أدوارها نهضة تجلّى تأثيرها واضحاً في المجتمع، تحوّلت العباية، كما جاء في كتاب Fashion talks: Undressing the Power of Style، «من زي تقليدي إلى تعبير عن الأسلوب… وطرأت عليها تحوّلات كبيرة كتلك التي طرأت على النساء الإماراتيات اللواتي يرتدينها… بعض الشابات يدفعن حدود الإبداع ويحترمن ثقافتهن».
تغيّرت أشكال العباية وقصّاتها وأنواع الأقمشة التي تصنع منها. كانت تُصنع من الحرير والمخمل (في الشتاء) ثم الكريب، ثم أصبحت تُصنع من القطن والكتان والكشمير والجينز والجلد وغيرها من الأقمشة. تحوّلت إلى كيمونو ياباني وبونشو مكسيكي وصارت «جمبسوت» رياضياً. المصممة السعودية إيمان جوهرجي قدّمت عام 2007 العباية الرياضية التي تسمح للمرأة بركوب الدراجة الهوائية. أما عباية قيادة السيارة، فتُصمّم بأكمام ضيقة، لأنّ الأكمام الواسعة تعيق التمسّك بالمقود، وأحياناً كثيرة بقلنسوة.
أما تنوّع الألوان، فقد ظهر في الإمارات، وفي جدة في المملكة العربية السعودية قبل أن ينتقل أخيراً إلى الرياض كما تشرح المصمّمة السعودية نورا الدامر «ظهرت العباية الملوّنة في جدة قبل عشر سنوات، لكنها الآن بدأت الانتشار في الرياض. وكما هو معروف فإن الرياض مدينة محافظة لا تتبنّى المظاهر الجديدة بسرعة وسهولة. ويمكن القول إننا منذ نحو ثمانية أشهر بدأنا، في الرياض، نرى العبايات الملوّنة. ما اعتدناه هو دخول الألوان على العباية السوداء. إلا أن تغيّر الوضع منذ أشهر، وبات ثمة قبول باعتماد العباية الملوّنة»..

من علامة الفراشة

لقد جاء إعلان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حديث تلفزيوني أن المرأة السعودية ليست ملزمة بارتداء العباية على أن ترتدي أزياء محافظة، ليفتح الباب أمام إدخال التغييرات على العباية من دون أن تصطدم هذه التغييرات بالاتهامات.
كانت التحولات كانت قد طاولت العباية النسائية في جدة، كما تقول الدامر، «العباية الجمبسوت منتشرة في جدة منذ زمن، وقد أطلقتها [مصمّمة العبايات] مها غلاييني. ولكن الآن مع السماح للمرأة بقيادة السيارة والدراجة باتت أكثر انتشاراً، إلى جانب العباية المعطف أو «الترانشكوت» لأن طول العباية التقليدية عاد لا يلائم المرأة التي تحتاج إلى ما يسهّل تحرّكاتها ويناسب نمط الحياة السريع».
تغوص الدامر في تفاصيل التحوّلات التي عرفتها العباية، «منذ أكثر من عشرين عاماً ظهرت الزخارف على العباية السوداء، وأشكال التطريز المختلفة بالخيوط الملوّنة. ثم رأينا العباية الكيمونو التي كانت المصممتان هيا الراجحي وثناء عداس سباقتين في إطلاقها ثم أصبحنا نراها في تصاميم عديدة [نذكر هنا المصممة الإماراتية مي بدور]. وأخيراً رأينا العباية البونشو ثم العباية الكاب».
تتأثر العباية باتجاهات الموضة العالمية. ويسمح بهذا التأثر الذين يمكن أن يصبح تمازجاً بين الأساليب، كما تشرح الدامر، أنّ «مصممين عالميين يقدّمون تصاميم تشبه العباية، كالأثواب الواسعة الطويلة التي يمكن تحويلها بسهولة إلى عبايات. إضافة إلى أنّ النساء صرن أكثر إدراكاً لصيحات الموضة والتنسيق المعتمد على الاتجاهات الرائجة».
الدامر، التي أطلقت علامتي شادور وكاليا، تسعى إلى تقديم عبايات حديثة مع الحفاظ على روح العباية التقليدية. «غيّرنا القصّات لتبرز جمال المرأة. فما عادت العباية فضفاضة، كما أبرزنا الأكتاف. أردنا أن نركّز، برقيّ، على أنوثة المرأة بدلاً من إخفائها».

تقول الدامر إن العباية التقليدية في الثمانينيات وأوائل التسعينيات كانت تُصنع من الحرير، وكان الوشاح المرافق شفافاً يُظهر الأذنين وزينة الرأس والعنق. ثم في التسعينيات أصبحت العباية سميكة تُصنع من الكريب، وما عادت تأخذ شكل الجسم».
الآن أصبحت العباية عملية خفيفة وواضحة القصّات، «فالهدف هو إخفاء تفاصيل الجسم لكن من دون التخلّي عن الأناقة التي بات يعبّر عنها بأسلوب أكثر حداثة. ما تغيّر هو أنّ العباية أصبحت جزءاً من الزي الذي يحدّد الأسلوب المنشود، وما عادت الزي كلّه أو الزي الذي يهدف إلى ما إخفاء لا يجب أن يراه الجميع. أصبحنا ننسّق تحتها الأزياء التي تتلاءم معها ليكتمل المظهر».

9 عبايات صيفيّة فاخرة جديرة بإضافتها لخزانتك الآن

الاقتراحات
مقالات
عرض الكل
مجموعة ڤوغ
مواضيع